أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، بباكستان لدورها كوسيط موثوق بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدًا أن مصداقية إسلام آباد لدى الدول المتخاصمة ساعدت في تهيئة الظروف لإجراء المفاوضات وخفض التصعيد في أحد أخطر النزاعات في العالم.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار في وزارة الخارجية، قال غوتيريش إن مبادرة باكستان بشأن الصراع في الخليج كانت لافتة، وأظهرت أهمية وجود دول تحظى بثقة الأطراف المتنازعة.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة: «ما قامت به باكستان بشأن الصراع في الخليج، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، مبادرة لافتة. ومن المهم أن يمتلك العالم دولًا يمكن الوثوق بها، وكانت الثقة التي حظيت بها باكستان ضرورية للسماح بإجراء مفاوضات السلام».
وأوضح أن الجهود الدبلوماسية الباكستانية ساعدت في التوصل إلى مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد في 17 يونيو، ووقف إطلاق النار اللاحق، ووضع إطار للمفاوضات المستقبلية.
وقال غوتيريش إن «باكستان قدمت نموذجًا بالغ الأهمية للوساطة»، مشيرًا إلى أن دور إسلام آباد أظهر أهمية بناء الجسور والدبلوماسية في وقت يشهد انقسامات دولية عميقة.
من جانبه، قال نائب رئيس الوزراء إسحاق دار إن جهود باكستان أسهمت في جمع الولايات المتحدة وإيران في حوار مباشر للمرة الأولى منذ 47 عامًا، واصفًا مساهمة إسلام آباد بأنها جهد متواضع لكنه مهم، يستند إلى مبادئ المساواة في السيادة، وسلامة الأراضي، وعدم التدخل، وتقرير المصير، والتسوية السلمية للنزاعات.
ودعا غوتيريش جميع الأطراف إلى إنهاء الصراع والعودة إلى الدبلوماسية والاستعادة الكاملة لحقوق وحرية الملاحة وفقًا للقانون الدولي.
كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن انشغال المجتمع الدولي بالحرب في أوكرانيا والصراع في الخليج يجب ألا يطغى على معاناة الشعب الفلسطيني.
وشدد على أن حجم القتل والدمار الذي شهدته غزة غير مسبوق خلال فترة توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
ودعا غوتيريش إلى وضع حد فوري لمعاناة الفلسطينيين والتنفيذ الكامل لخطة السلام، كما أعرب عن قلقه إزاء أعمال العنف وقرارات الاستيطان في الضفة الغربية، محذرًا من أن هذه التطورات قد تقوض حل الدولتين.
وجدد تأكيده أن تحقيق السلام الدائم في المنطقة يتطلب ضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولتين، فلسطين وإسرائيل، تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام واحترام متبادل.
وقال إسحاق دار إن باكستان دعمت باستمرار الجهود الدبلوماسية لتحقيق السلام في غزة، مشيرًا إلى مشاركة بلاده إلى جانب سبع دول عربية وإسلامية أخرى في جهود التواصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأوضح أن الهدف الوحيد للمجموعة كان تحقيق السلام في غزة، وهو ما أسهم لاحقًا في صياغة خطة سلام من 20 نقطة.
وأعرب نائب رئيس الوزراء عن مخاوف باكستان بشأن جامو وكشمير، ورحب باستمرار الأمم المتحدة في الاستناد إلى إطار الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن لحل النزاع.
ودعا المجتمع الدولي إلى ضمان تنفيذ قرارات مجلس الأمن، مشيرًا إلى أن القرارات المتعلقة بكشمير وفلسطين ظلت دون تنفيذ.
كما أثار إسحاق دار قرار الهند تعليق العمل بمعاهدة مياه نهر السند، واصفًا ذلك بأنه انتهاك للقانون الدولي، ودعا الهند إلى التوقف عن «تسليح المياه» والوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدة.
وسلط غوتيريش الضوء على الدور الإنساني الذي اضطلعت به باكستان منذ عقود في استضافة اللاجئين الأفغان، مشيرًا إلى أن ملايين الأفغان وجدوا الحماية في البلاد على مدى عقود.
وقال إن الأمم المتحدة ستعمل مع باكستان على الالتزام بمبادئ الحماية وضمان أن تكون عودة الأفغان طوعية وآمنة وكريمة.
وفي المقابل، أثار إسحاق دار مخاوف باكستان بشأن استمرار استخدام الأراضي الأفغانية لتنفيذ هجمات إرهابية ضدها، ودعا إلى بذل جهود دولية لمعالجة هذه القضية.
وأقر الأمين العام للأمم المتحدة بمعاناة باكستان نفسها من الإرهاب، مؤكدًا ضرورة معالجة المخاوف الأمنية المشروعة، مع التشديد على أن التدابير الأمنية الفعالة يجب أن تلتزم بالقانون الدولي وحقوق الإنسان وسيادة القانون.
كما دعا الجانبان إلى إصلاح النظام الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية.
وقال غوتيريش إن مجلس الأمن لم يعد يعكس بصورة كافية عالم اليوم.
وأشار إلى وجود ثلاثة أعضاء أوروبيين بين الأعضاء الدائمين في المجلس، في حين لا تتمتع أفريقيا بأي تمثيل دائم، الأمر الذي يثير مشكلات تتعلق بالشرعية والفعالية.
وانتقد أيضًا حالة الجمود التي تسببها الانقسامات بين الأعضاء الخمسة الدائمين، مشيرًا إلى أن القوى الكبرى تبدأ أحيانًا نزاعات أو تنتهك القانون الدولي، ما يسهم في ترسيخ تصور بأن الدول القوية تستطيع التصرف دون عواقب.
ودعا إلى إصلاح مجلس الأمن لجعله أكثر تمثيلًا وشرعية، وحث القوى الكبرى على الوحدة عندما تكون المبادئ الأساسية للقانون الدولي على المحك.
كما قال إن الدول النامية بحاجة إلى وصول أكبر إلى تمويل التنمية وتخفيف الديون والتمويل الميسر.
وقال إسحاق دار إن باكستان دعمت بقوة التعددية وسعت إلى تعزيز التفاوض والوساطة والدبلوماسية الوقائية خلال عضويتها الحالية في مجلس الأمن.
وأشار إلى مبادرة باكستان بشأن القرار 2788 المتعلق بتعزيز التعددية والتسوية السلمية للنزاعات.
كما دعا إلى إصلاح المؤسسات المالية الدولية، قائلًا إن النظام المالي العالمي الذي أُنشئ بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد يعكس حقائق العصر الحالي.
وأشاد الأمين العام للأمم المتحدة بمساهمة باكستان المستمرة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن الرجال والنساء الباكستانيين خدموا بشجاعة في بعض أخطر بعثات حفظ السلام في العالم.
وقال إن أكثر من 180 من أفراد حفظ السلام الباكستانيين فقدوا حياتهم في خدمة السلام الدولي، وكرّم تضحياتهم.
كما أشاد بباكستان والدنمارك لدورهما في قيادة الجهود المتعلقة بقرار مجلس الأمن رقم 2823، الذي يعزز المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق أفراد حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة.
ووفقًا لغوتيريش، شاركت 156 دولة في رعاية القرار، وهو أعلى عدد من الدول المشاركة في رعاية قرار لمجلس الأمن في تاريخ الأمم المتحدة.
وقال إنه سيكرّم أيضًا أفراد حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة خلال زيارته للنصب التذكاري لبعثة الأمم المتحدة في إسلام آباد.
وكان تغير المناخ من القضايا الرئيسية التي تناولها الأمين العام للأمم المتحدة، الذي استذكر زيارته إلى باكستان خلال الفيضانات الكارثية عام 2022.
وقال غوتيريش إن باكستان لا تزال في الخطوط الأمامية لمواجهة تغير المناخ رغم مساهمتها بنسبة ضئيلة جدًا من الانبعاثات العالمية.
وأشاد بقدرة البلاد على الصمود ودورها في دفع الأجندة الدولية المتعلقة بالخسائر والأضرار، إلى جانب انتقالها نحو الطاقة النظيفة.
لكنه شدد على أن الدول النامية الأكثر عرضة للتأثر لا يمكنها تحمل هذا العبء بمفردها.
وقال إن مجموعة العشرين مسؤولة عن نحو 80% من الانبعاثات العالمية، وعليها خفض انبعاثاتها بشكل كبير خلال العقد الحالي.
وأضاف أن الدول المتقدمة يجب أن تفي بالتزاماتها التي تعهدت بها خلال مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين، وأن توفر للدول النامية التمويل والتكنولوجيا والدعم اللازم لتعزيز قدرتها على مواجهة تغير المناخ وتحقيق انتقال عادل.
كما أشاد بالتزام باكستان الأوسع بالتعددية، قائلًا إن إسلام آباد وضعت الحوار والوساطة والدبلوماسية في صميم عملها خلال فترة عضويتها التي تمتد لعامين في مجلس الأمن.



