نظرة على أكثر من 100 عام من العلاقات الدبلوماسية السعودية الفرنسية

 حافظت المملكة العربية السعودية وفرنسا على علاقات رسمية امتدت لأكثر من 100 عام، وعمل البلدان على تعزيزها من خلال شراكات في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والدفاعية، إلى جانب تبادل العديد من الزيارات الرسمية على أعلى المستويات.

ويركز البلدان بشكل كبير على الدبلوماسية والسياسة الخارجية، ويتشاركان هدفًا يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.

ولفهم تاريخ العلاقات بين البلدين، لا بد من العودة إلى القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى جدة، التي شكّلت نقطة انطلاق العلاقات السياسية بين فرنسا وشبه الجزيرة العربية. ففي عام 1839، أنشأت فرنسا قنصليتها في جدة، لتكون أول بعثة دبلوماسية فرنسية في المنطقة.

وفي عام 1926، بدأت العلاقات الدبلوماسية الكاملة رسميًا، عندما كانت فرنسا من أوائل الدول التي اعترفت بمملكة الحجاز ونجد، قبل توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932. وشهدت السنوات الأولى تبادلًا للزيارات، جرى خلالها بحث سبل تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والاستثمار والثقافة.

ودخلت العلاقات السعودية الفرنسية مرحلة جديدة عقب زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز إلى فرنسا عام 1967، حيث التقى بالرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديغول. وأسهمت تلك الزيارة التاريخية في توسيع التعاون الثنائي في قطاعات متعددة بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

وفي يناير 1972، عمّقت السعودية وفرنسا تعاونهما الدفاعي من خلال توقيع اتفاقية مهمة للمساعدة العسكرية. وأسهمت الاتفاقية في تنويع ترسانة المملكة من الأسلحة، وشكلت محطة رئيسية في العلاقات الثنائية، إذ أصبحت فرنسا من أبرز موردي المعدات العسكرية للمملكة.

وفي يناير 1977، شهدت العلاقات بين البلدين نقلة أخرى عندما أصبح فاليري جيسكار ديستان أول رئيس فرنسي يقوم بزيارة رسمية إلى السعودية.

ولم يكن أثر الزيارة مقتصرًا على الزيارة نفسها، بل اكتسبت أهمية عالمية بعد الخطاب التاريخي للرئيس الفرنسي، الذي أشاد فيه بالسعودية باعتبارها قوة عالمية.

وفي 4 يونيو 1977، دخل التعاون الاقتصادي السعودي الفرنسي مرحلة جديدة، عندما أصدر الملك خالد بن عبدالعزيز مرسومًا ملكيًا بإنشاء البنك السعودي الفرنسي كشركة مساهمة سعودية.

وتولى الكيان الجديد عمليات البنك الفرنسي «بنك الهند الصينية وسويز» في المملكة. وأدى ذلك إلى إنشاء مشروع مشترك امتلك فيه المساهمون السعوديون الحصة الأكبر، بينما احتفظت المؤسسة الفرنسية بحصة أقلية وبإدارة فنية.

وفي عام 1978، جاءت محطة أخرى مهمة في العلاقات الثنائية عندما زار الملك خالد باريس في أول زيارة دولة له إلى فرنسا، ما أسهم في توسيع التعاون الأمني والثقافي بين البلدين.

وخلال العقود التالية، استمر الزخم الدبلوماسي رفيع المستوى من خلال الزيارات المتبادلة المتكررة. فقد زار الرئيس جيسكار ديستان الرياض مجددًا في مارس 1980، تلاه الرئيس المنتخب حديثًا فرانسوا ميتران في سبتمبر 1981، في أول زيارة رسمية له خارج أوروبا. وفي عام 1984، قام الملك فهد بن عبدالعزيز بأول زيارة دولة إلى فرنسا بصفته ملكًا للمملكة العربية السعودية.

وعلى مدى العقود الستة الماضية، واصل البلدان تعميق تعاونهما الثقافي، وتوسع ليشمل مشاريع مشتركة في تطوير المتاحف وصناعة السينما والحفاظ على التراث.

وفي أبريل 1997، التقى الأمير سلمان بن عبدالعزيز، الذي كان آنذاك أمير منطقة الرياض وأصبح لاحقًا ملكًا للمملكة، بالرئيس الفرنسي جاك شيراك في باريس، حيث وقّعا ميثاقًا للتعاون والصداقة بين العاصمتين.

وسهّل الاتفاق تبادل الخبرات بين السلطات البلدية في الرياض وباريس، بهدف تطوير التخطيط الحضري والبنية التحتية، كما أنشأ منصة رسمية للتبادل الثقافي والتراثي.

وبعد ذلك بسنوات، وتحديدًا في عام 2001، أُنشئ مجلس الأعمال السعودي الفرنسي، ما ساهم تدريجيًا في تحويل الإطار الاقتصادي للعلاقات الثنائية نحو شراكات مباشرة بين القطاع الخاص. وربط المجلس رجال الأعمال والمستثمرين من البلدين بهدف تعزيز المشاريع المشتركة.

وفي أبريل 2005، قام ولي العهد آنذاك الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بزيارة رسمية إلى باريس، وكانت آخر زيارة دولة رئيسية له إلى أوروبا قبل أن يصبح ملكًا في أغسطس من العام نفسه.

وفي عام 2006، وقعت فرنسا والسعودية اتفاقية للتعاون الدفاعي حدّثت الإطار العسكري الأساسي الذي أُرسِي بموجب اتفاقية عام 1972. وبعد ذلك بفترة وجيزة، في يونيو 2007، عاد الملك عبدالله إلى باريس في زيارة رسمية التقى خلالها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

وعززت السعودية وفرنسا تعاونهما في مجال الطاقة في يناير 2008، خلال زيارة دولة للرئيس ساركوزي استمرت يومين، وشهدت توقيع اتفاقيات ثنائية في قطاعات النفط والغاز والتعدين.

وتوسعت الروابط بين الشعبين في عام 2010، عندما افتتح التحالف الفرنسي (Alliance Française)، المؤسسة الرسمية المتخصصة في تعليم اللغة الفرنسية كلغة ثانية، مراكزه في السعودية.

وفي ديسمبر 2013، زار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الملك عبدالله في الرياض. وركزت الزيارة التي استمرت يومين على توسيع التعاون التجاري، وإعادة تأكيد الالتزام المشترك بأمن واستقرار المنطقة.

وفي 1 سبتمبر 2014، قام ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز، نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك، بزيارة رسمية إلى فرنسا استمرت أربعة أيام لتعزيز التعاون بين البلدين.

وفي 5 مايو 2015، التقى الرئيس هولاند بالملك سلمان في الرياض، وألقى كلمة خلال أول قمة بين مجلس التعاون الخليجي وفرنسا، تعهد فيها بالعمل على تعميق العلاقات والشراكة الاستراتيجية مع دول المجلس وعلى جميع المستويات.

وفي يونيو 2015، التقى ولي ولي العهد ووزير الدفاع آنذاك الأمير محمد بن سلمان بالرئيس هولاند في باريس، بينما وقعت فرنسا والسعودية اتفاقيات تجارية كبرى بقيمة 12 مليار دولار.

وفي نوفمبر 2017، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السعودية والتقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عقب هجوم صاروخي شنته جماعة الحوثي المدعومة من إيران على الرياض، وتعهد بالعمل مع السعودية من أجل ضمان الاستقرار في المنطقة ومكافحة الإرهاب.

وفي أبريل 2018، قام ولي العهد بأول زيارة رسمية له إلى فرنسا، حيث التقى الرئيس ماكرون بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية وتأمين عقود تجارية بين الشركات السعودية والفرنسية بقيمة 18 مليار دولار. وخلال الزيارة، أطلق البلدان شراكة تاريخية لتطوير العلا لتصبح وجهة رائدة للثقافة والتراث والسياحة المستدامة.

وشكلت الفترة بين عامي 2018 و2019 محطة مهمة في التعاون السعودي الفرنسي بشأن العلا. فقد أُطلقت برامج تدريبية بالتعاون مع Campus France لتدريب السعوديين للعمل في قطاع الضيافة بالعلا، كما تأسست الوكالة الفرنسية Afalula في باريس لدعم تطوير المنطقة.

وفي فبراير 2019، أُطلق مشروع العلا السياحي، مع خطط لإنشاء منتجع فاخر صممه المهندس المعماري الفرنسي الحائز جائزة بريتزكر، جان نوفيل.

وجاء ذلك بالتزامن مع تنفيذ مشروع ترام العلا الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة فرنسية، إضافة إلى إطلاق مؤسسة «فيلا حِجر» باعتبارها أول مركز ثقافي سعودي فرنسي مشترك في العلا، ليكون منصة للإبداع والفنون البصرية والتبادل الفني.

وفي إطار التعاون الثقافي، سلط معرض «العلا: أعجوبة الجزيرة العربية»، الذي أُقيم في معهد العالم العربي في باريس في أكتوبر 2019، الضوء على الكنوز الثقافية للمملكة.

وفي مارس 2020، استضافت السعودية قمة مجموعة العشرين، وكان الرئيس إيمانويل ماكرون من بين قادة العالم الذين شاركوا في الاجتماع الافتراضي الذي ركز على جائحة كوفيد-19.

وفي ديسمبر 2021، جرت زيارة دولة تاريخية عندما زار الرئيس ماكرون جدة والتقى ولي العهد، حيث وقع البلدان عدة اتفاقيات استراتيجية وثقافية وسياحية. وخلال الزيارة، وقّع وزير السياحة السعودي أحمد الخطيب ووزير التجارة الخارجية والجاذبية الاقتصادية الفرنسي فرانك ريستر اتفاقية لتعزيز التعاون السياحي.

وفي عام 2021 أيضًا، شهدت العلاقات تبادلًا للزيارات الوزارية والرسمية رفيعة المستوى بين البلدين. ففي 17 مايو، ترأس وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان وفد المملكة في المؤتمر الدولي لدعم السودان، كما شارك في قمة باريس لتمويل الاقتصادات الإفريقية التي استضافها الرئيس الفرنسي.

وساهمت زيارتا ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا في يوليو 2022 ويونيو 2023، إلى جانب زيارة الرئيس ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2021، في توسيع نطاق التعاون بين البلدين.

وفي أكتوبر 2022، استضافت باريس أول حفل للفرقة الوطنية السعودية للموسيقى والكورال خارج المملكة. وأقيم عرض «روائع الموسيقى السعودية»، بمشاركة الأوركسترا الفيلهارمونية الملكية الفرنسية، في مسرح شاتليه.

وقدمت الفرقتان، بقيادة المايسترو عماد زاري وتحت إشراف أمين قويدر، عرضًا موسيقيًا مشتركًا تضمن مجموعة من الأغاني الشعبية السعودية بمختلف أنماطها التقليدية، مثل المجرور والمزمار والخبيتي والسامري، أعقبها العرض العالمي الأول لمقطوعة «جدة»، من تأليف الموسيقار الإيطالي أنطونيو برناردي.

وفي مجال التجارة، بلغت صادرات السعودية غير النفطية إلى فرنسا 1.3 مليار ريال، بينما بلغت الواردات 14.7 مليار ريال في عام 2022.

وارتفع حجم التجارة بين المملكة وفرنسا إلى 11.793 مليار دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 7.2% مقارنة بعام 2024، بما يعكس التزام البلدين بتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية وتوسيع التجارة الثنائية.

وفي ديسمبر 2024، قام الرئيس ماكرون بزيارة دولة إلى السعودية، واتفق البلدان على دفع ثلاثة أهداف رئيسية، هي: التنمية الوطنية والدفاع، والاستقرار الإقليمي والعالمي، والقضايا العالمية الرئيسية، بدءًا من تغير المناخ.

وفي سبتمبر 2025، قدمت السعودية وفرنسا بشكل مشترك قرارًا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاستئناف المؤتمر الدولي رفيع المستوى بشأن حل الدولتين والقضية الفلسطينية.

وفي يوليو 2026، أصبحت باريس أول مدينة خارج الرياض تستضيف كأس العالم للرياضات الإلكترونية، في خطوة تعزز طموح مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية لتوسيع الاستضافة العالمية للبطولة على المدى الطويل.

وبالنظر إلى المستقبل، يلتزم البلدان بخطة عمل مشتركة للفترة 2023-2028، تركز على الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية الخضراء وتحفيز التنمية في قطاعات السياحة والرياضة والترفيه.

وخلال أكثر من 100 عام من العلاقات الثنائية الرسمية، نظرت فرنسا إلى المملكة باعتبارها حليفًا موثوقًا وشريكًا يؤدي دورًا محوريًا في دعم السلام والاستقرار في المنطقة.