يتشكل الإطار العام للسياسات الاقتصادية في باكستان بشكل متزايد من خلال إصلاحات قطاعية تهدف إلى تصحيح الاختلالات الهيكلية طويلة الأمد وإحياء النمو. ومن أبرز هذه التطورات التحرير التدريجي لقطاع السكر، والتركيز المتجدد على استراتيجية طموحة للصادرات الزراعية، إلى جانب جهود مستمرة لاستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر.
هذه المبادرات مترابطة بشكل وثيق وتعكس تحوّلاً أوسع من تدخل الدولة المكثف إلى سياسات أكثر اعتماداً على السوق، مدفوعة بالتصدير وجاذبة للاستثمار. وبينما لا تزال التحديات قائمة، تشير البيانات الرسمية والخبرة التاريخية إلى أن إحراز تقدم في هذه المجالات يمكن أن يعزّز الموقف الخارجي لباكستان، ويرفع الإنتاجية ويوفر فرص عمل ضرورية.
كان قطاع السكر تاريخياً رمزاً لنهج باكستان التدخلي في الاقتصاد. فعلى مدى عقود، عمل تحت سيطرة حكومية واسعة شملت تحديد أسعار دعم قصب السكر إدارياً، وفرض قيود على الصادرات والواردات، وتنظيم الإفراج عن المخزون، إلى جانب دعم متكرر. ورغم أن هذه الإجراءات كانت تهدف إلى استقرار الأسعار وحماية المزارعين، فإنها كانت غالباً ما تؤدي إلى عكس ذلك.
ووفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الباكستاني، شهد إنتاج قصب السكر تقلبات حادة خلال العقد الماضي، إذ ارتفع من 78.9 مليون طن في 2019-2020 إلى 85.4 مليون طن في 2020-2021، قبل أن ينخفض إلى 75.2 مليون طن في 2021-2022، ثم يرتفع مجدداً إلى 82.3 مليون طن في 2022-2023. وقد نتج هذا التذبذب ليس فقط عن الظروف المناخية، بل أيضاً عن عدم اليقين في السياسات والحوافز المشوهة.
وقد توسع القطاع إلى ما يتجاوز قدرته الاقتصادية الفعّالة؛ فالنمو السريع في عدد مصانع السكر، خاصة خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية، لم يكن مصحوباً بتحسن مماثل في الإنتاجية أو القدرة التنافسية. ونتيجة لذلك، واجهت باكستان بشكل متكرر دورات من الفائض والعجز، ما أجبر الحكومة على دعم الصادرات أو السماح بواردات مكلفة. وقد فرضت هذه التدخلات عبئاً مالياً وأضعفت الثقة داخل سلسلة التوريد، خاصة مع تأخر المدفوعات للمزارعين. ورغم كونها من أكبر منتجي قصب السكر في العالم، فشلت باكستان في أن تصبح مُصدّراً ثابتاً، إذ ظلت الصادرات متقطعة وتعتمد على السياسات.
ويمثل التحرير التدريجي للقطاع محاولة لتجاوز هذا الإرث. فمن خلال تخفيف قيود التصدير وتقليص السيطرة الإدارية المباشرة، تهدف السياسات الجديدة إلى السماح لإشارات السوق بتوجيه قرارات الإنتاج والتسعير. وقد أشارت وزارة الأمن الغذائي الوطني والبحوث إلى أن زيادة مرونة الصادرات تهدف إلى الحد من تراكم الفائض وتقليل الأعباء المالية. وفي المقارنة العالمية، لا يزال المجال كبيراً؛ إذ صدرت البرازيل أكثر من 25 مليون طن من السكر في عام 2024، بينما صدرت الهند أكثر من خمسة ملايين طن. ويبرز الحضور المحدود لباكستان في الأسواق العالمية حجم الفرص الضائعة بسبب التنظيم المشدد. غير أن الانتقال نحو التحرير ينطوي على مخاطر قصيرة المدى، خصوصاً للمستهلكين، ما يستدعي توفير مخزونات كافية وآليات شفافة للرقابة على الأسواق.
يرتبط إصلاح قطاع السكر بإعادة تقييم أوسع لدور الزراعة في الاقتصاد الباكستاني. فلا تزال الزراعة ركيزة أساسية للنشاط الاقتصادي، إذ تسهم بحوالي 20.9% من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف ما يقرب من 38.5% من القوى العاملة، وفقاً للمسح الاقتصادي لباكستان 2024-2025.
ورغم ذلك، ظل إسهامها في الصادرات محدوداً، نظراً للاعتماد على مجموعة ضيقة من السلع منخفضة القيمة مثل الأرز والقطن. وقد جعل هذا التركّز عائدات الصادرات عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والصدمات المناخية ومشاكل الجودة.
وتظهر البيانات التجارية التاريخية هذه الهشاشة؛ فقد بلغت صادرات الأرز ذروتها عند 4.3 مليون طن في 2018-2019 لكنها فقدت الزخم في السنوات التالية مع اشتداد المنافسة وضعف الجودة في الأسواق المميزة. كما تراجعت صادرات القطن بسبب انخفاض الإنتاج المحلي وتآكل القدرة التنافسية. وكشفت هذه الاتجاهات محدودية نموذج الصادرات القائم على السلع الأساسية، مما عزز الحاجة إلى التنويع والقيمة المضافة.
يروج صانعو السياسات الآن لاستراتيجية تصدير زراعية أكثر طموحاً تركز على الأغذية المعالجة، والخضروات والفواكه، واللحوم، ومنتجات الألبان، والمحاصيل المتخصصة. وتشير أرقام رسمية من مكتب الإحصاء الباكستاني إلى أن الصادرات الزراعية ارتفعت إلى نحو 3.14 مليار دولار في السنة المالية 2024، مقارنة بـ 2.68 مليار دولار في 2023، ما يشير إلى مكاسب أولية من جهود التنويع.
وتتطلع الحكومة إلى رفع الصادرات الزراعية إلى أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً بحلول نهاية العقد، شريطة تحسين الإنتاجية والبنية اللوجستية والامتثال للمعايير الدولية.
وكان ضعف البنية التحتية بعد الحصاد عقبة تاريخية؛ فقلة مرافق التخزين المبرد ووسائل النقل غير الكافية وضعف أنظمة الشهادات قللت من القدرة التنافسية للمنتجات الباكستانية في الأسواق ذات القيمة العالية. وتؤكد المبادرات الحالية على الاستثمار في سلاسل التبريد ومرافق التخزين والمختبرات المتوافقة مع المعايير الصحية والنباتية الدولية. وتعكس هذه الجهود الدروس المستفادة من مبادرات سابقة تعثرت بسبب فجوات البنية التحتية وضعف التنسيق بين السلطات الاتحادية والمحلية.
يعد الاستثمار الأجنبي المباشر ركيزة أساسية لهذا التحول. فقد كانت تجربة باكستان مع الاستثمار الأجنبي متقلبة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الاقتصادي الكلي ومصداقية السياسات. ووفقاً لبيانات البنك المركزي الباكستاني، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي ذروتها عند 5.4 مليار دولار في عام 2008، لكنها تراجعت بشكل حاد في السنوات التالية بسبب عدم اليقين السياسي وتقلبات الاقتصاد. وبعد انخفاضها إلى نحو 2.2 مليار دولار في 2023، تعافت التدفقات بشكل طفيف إلى حوالي 2.8 مليار دولار في 2024، ما يشير إلى اهتمام متجدد لكنه ما زال حذراً.
وتهدف الجهود السياسية الجديدة إلى توسيع قاعدة الاستثمار الأجنبي لتشمل الزراعة والتصنيع الزراعي. وتم إنشاء مجلس تسهيل الاستثمار الخاص لتبسيط الموافقات وتقليل التأخيرات البيروقراطية، ومعالجة مخاوف المستثمرين المزمنة.
وتعمل السلطات على جذب مستثمرين محتملين من دول الخليج والصين وجنوب شرق آسيا، مع التركيز على فرص الزراعة المؤسسية، ومعالجة الأغذية، والخدمات اللوجستية الزراعية. وتشير الاستثمارات المقترحة التي تتجاوز 500 مليون دولار في النقل المبرد ومرافق المعالجة إلى تزايد الاهتمام بالزراعة الموجهة للتصدير.
يشكل التقارب بين التحرير، والتوجه التصديري، وتسهيل الاستثمار إعادة معايرة استراتيجية لنموذج النمو في باكستان. وتشير الخبرة التاريخية إلى أن الإصلاحات الجزئية والانقلابات السياسية تقوض المصداقية وتردع الاستثمارات طويلة الأجل.
ولمنع تكرار أخطاء الماضي، يجب أن تكون الإصلاحات مستمرة وشفافة ومدعومة بإجراءات مكملة تشمل إتاحة الائتمان، والتأمين الزراعي، وخدمات الإرشاد للمزارعين الصغار. فبدون هذه الضمانات، قد تتعرض الاستدامة الاجتماعية والسياسية للإصلاحات للخطر.
تعكس التطورات القطاعية في تحرير السكر، وصادرات الزراعة، وجذب الاستثمار الأجنبي محاولة لمعالجة الاختلالات العميقة وإطلاق الإمكانات الاقتصادية لباكستان. ورغم أن عملية الانتقال تنطوي على مخاطر، فإن تكلفة عدم التحرك أكبر بكثير.
فإذا تم تنفيذ الإصلاحات باستمرار ودعمها بالقدرات المؤسسية، فإن هذه التحولات يمكن أن تعزز الأداء التصديري، وتثبت الحسابات الخارجية، وتؤسس لنمو أكثر شمولاً ومرون



