قليلون كانوا يتوقعون في مطلع عام 2025 أن تنتهي السياسة الخارجية لباكستان على نحو مختلف بهذا القدر.
فبعد أن ظلت طويلاً تُنظر إليها كدولة تعاني العزلة الدبلوماسية والهشاشة الاقتصادية والضغوط الإقليمية، أنهت باكستان عام 2025 وقد استعادت أهميتها الاستراتيجية عبر مسارح متعددة. وكان في قلب هذا التحول انقلاب غير مسبوق في العلاقات الباكستانية–الأميركية، أعقب عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو تطور أعاد تشكيل مكانة إسلام آباد العالمية وأطلق عملية أوسع لإعادة معايرة علاقاتها الخارجية.
وكان أبرز تطور في السياسة الخارجية خلال 2025 هو التحسن السريع وغير المتوقع إلى حد كبير في العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة. وعلى خلاف التوقعات السائدة بفتور أو توتر متجدد، تبنى الرئيس ترامب نهجاً إيجابياً وبراغماتياً في التعامل مع باكستان بعد وقت قصير من توليه المنصب.
وفي عدة تصريحات علنية، أشاد ترامب صراحة بالقيادة المدنية والعسكرية في باكستان، معترفاً بدور البلاد في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب. وشكّل إلقاء القبض على أحد العقول المدبرة لتفجير «آبي غيت» في مطار كابل في أغسطس 2021 نقطة التحول في العلاقة.
وقد دفع اعتقال الإرهابي المنتمي إلى تنظيم داعش وتسليمه ترامب إلى الإشادة العلنية بباكستان في أول خطاب له أمام الكونغرس. وأعاد هذا التعاون في مجال مكافحة الإرهاب إحياء قنوات الاتصال بين البلدين التي كانت شبه معدومة خلال ولاية جو بايدن.
وكان هذا الثناء المباشر من رئيس أميركي، ولا سيما رئيساً عُرف بدبلوماسيته الصريحة، أمراً غير مسبوق في الذاكرة القريبة، وأرسل إشارة قوية إلى مؤسسة صنع القرار في واشنطن.
وخلف الكواليس، أُعيد تفعيل القنوات الدبلوماسية والعسكرية بوتيرة سريعة. واستؤنفت اللقاءات رفيعة المستوى، وتعزز التعاون الاستخباراتي، وبدأ مسؤولون أميركيون يصفون باكستان على نحو متزايد بأنها «شريك إقليمي موثوق» بدلاً من كونها حليفاً إشكالياً كما في السابق.
وتجاوزت مجالات الانخراط أفغانستان لتشمل استقرار جنوب آسيا، وأمن الشرق الأوسط، والتعاون في مكافحة الإرهاب. وقد خدم منظور ترامب، الأقل ارتباطاً بالأيديولوجيا والأكثر تركيزاً على المنفعة الاستراتيجية الآنية، مصالح باكستان.
وقدمت إسلام آباد نفسها باعتبارها مزوداً صافياً للأمن في منطقة غير مستقرة، عارضةً التعاون من دون السعي إلى التزامات تحالفية كانت قد عقدت العلاقات في عقود سابقة. وبحلول نهاية 2025، لم تكن العلاقات الباكستانية–الأميركية قد استقرت فحسب، بل أُعيد تعريفها على نحو جوهري.
حرب الأيام الأربعة وتداعياتها
وإذا كان إعادة ضبط العلاقات مع الولايات المتحدة تمثل اختراقاً دبلوماسياً، فإن الحرب القصيرة بين الهند وباكستان في مايو شكّلت نقطة تحول في الوضع الإقليمي لباكستان. فقد قرّبت المواجهة العسكرية المكثفة، وإن كانت وجيزة، جنوب آسيا من حافة التصعيد، وجذبت مجدداً أنظار العالم إلى تقلبات المنطقة.
وقد حظي رد باكستان، الذي جمع بين الجاهزية العسكرية والدبلوماسية المتزنة، بتقدير صامت من عواصم دولية رئيسية.
فبعد هجوم بهالغام في أبريل، حين كانت الهند تهدد بضربات عابرة للحدود، ساد قلق دولي حيال قدرة باكستان على الصمود، فضلاً عن إلحاق ضرر بالهند. لكن عندما شنت الهند ضربات صاروخية في عمق الأراضي الباكستانية، جاء رد إسلام آباد مفاجئاً ليس لنيودلهي فحسب، بل للعواصم العالمية أيضاً. وأسقطت باكستان ما لا يقل عن سبع طائرات مقاتلة هندية، من بينها أربع طائرات «رافال» فرنسية الصنع عالية التطور.
وبينما أكد النزاع استمرار العداء بين الجارتين النوويتين، فقد غيّر أيضاً من التصورات السائدة. إذ بات يُنظر إلى باكستان لا بوصفها دولة مُحرِّضة، بل دولة قادرة على الدفاع عن مصالحها مع تجنب الانزلاق إلى تصعيد غير منضبط.
وكانت مرحلة ما بعد الحرب الدبلوماسية ذات أهمية مماثلة. فقد عزز انخراط إسلام آباد مع القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين ودول الخليج وشركاء أوروبيون، الرسالة القائلة إن باكستان تظل عنصراً لا غنى عنه في استقرار المنطقة.
وفي المقابل، تزايدت المخاوف الدولية بشأن النهج الأكثر اندفاعاً للهند في ظل رئيس الوزراء ناريندرا مودي، ولا سيما استعدادها لاختبار العتبات العسكرية.
صعود المكانة الجيوسياسية
في أعقاب المواجهة الباكستانية–الهندية، ارتفعت المكانة الجيوسياسية لباكستان بشكل ملحوظ. وبدأ الفاعلون الإقليميون والدوليون بإعادة تقييم دور باكستان، ليس فقط كفاعل في جنوب آسيا، بل كجسر يربط بين جنوب آسيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وترجمت هذه المراجعة إلى مكاسب دبلوماسية ملموسة. فقد كثفت باكستان تنسيقها الاستراتيجي مع شركاء رئيسيين في الشرق الأوسط، وقدمت نفسها قوةً مُثبتة للاستقرار وسط الاضطرابات الجارية في غزة والبحر الأحمر ومنطقة الخليج الأوسع.
ولعبت إسلام آباد دوراً دبلوماسياً نشطاً في المناقشات المتعلقة بإطار سلام لغزة، مستفيدة من مصداقيتها لدى الدول الغربية وتلك ذات الأغلبية المسلمة. ورغم بقاء الصراع دون حل، فإن انخراط باكستان رفع مكانتها كصوت مسؤول يدعو إلى وقف إطلاق النار، وإتاحة المساعدات الإنسانية، وبلورة مسار سياسي للمضي قدماً.
تعميق العلاقات مع دول الخليج
وكان من أكثر نتائج تعزيز الأهمية الاستراتيجية لباكستان أثراً توقيع اتفاق دفاعي مع المملكة العربية السعودية في عام 2025. وإلى جانب الرياض، عززت باكستان علاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة وقطر، ما رسخ دورها كشريك أمني موثوق لا كطرف منحاز في تنافسات الشرق الأوسط.
وقامت هذه العلاقات على توازن دقيق انتهجته باكستان. وحملت الشراكات الخليجية لباكستان مكاسب استراتيجية واقتصادية في آن واحد، وعززت موقعها في وقت تتقاطع فيه ديناميات أمن الشرق الأوسط بشكل متزايد مع منافسات القوى العالمية.
الصين: استمرارية وترسيخ
وبينما استحوذت علاقات باكستان مع الولايات المتحدة على العناوين، واصل شراكتها الاستراتيجية مع الصين تعمقها بثبات خلال عام 2025. واستمرت الزيارات السياسية والعسكرية رفيعة المستوى بوتيرة منتظمة، بما يعكس الثقة المتبادلة والتوافق طويل الأمد.
وتقدم العمل في إطار الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، مع تركيز متجدد على التعاون الصناعي وأمن الطاقة والتكنولوجيا. وعمل الجانبان على معالجة التحديات التنفيذية السابقة، في إشارة إلى انتقال من الإعلانات الكبرى إلى مرحلة الترسخ والتنفيذ.
والأهم أن باكستان نجحت في تحسين علاقاتها مع واشنطن من دون الإضرار بشراكتها مع بكين، في توازن دبلوماسي نادر في عصر تنافس القوى الكبرى.
تعاظم الانخراط مع روسيا
كما اكتسبت سياسة باكستان تجاه روسيا زخماً إضافياً في عام 2025. فقد أبرزت الزيارات رفيعة المستوى، والمشاورات الدفاعية، ومباحثات الطاقة، رغبة إسلام آباد في تنويع علاقاتها الاستراتيجية.
ورغم أن العلاقات الباكستانية–الروسية لا تزال محدودة مقارنة بالشراكات التقليدية، فإن انتظام التواصل رفيع المستوى عكس تحولاً من علاقات متقطعة إلى حوار منظم. وفي عالم متعدد الأقطاب، قدمت إسلام آباد نفسها على نحو متزايد كفاعل مرن منفتح على التعاون عبر خطوط جيوسياسية مختلفة.
التحدي الأفغاني: نقطة ضعف مستمرة
ورغم هذه الإنجازات، أبرز عام 2025 أيضاً حدود نجاح السياسة الخارجية الباكستانية، ولا سيما في تدهور علاقتها مع أفغانستان. فبدلاً من الاستقرار، ساءت العلاقات مع كابول بشكل ملحوظ على مدار العام.
وظل القلق الأساسي لإسلام آباد، والمتمثل في وجود جماعات مسلحة تنشط من الأراضي الأفغانية، دون حل، بينما لم تسفر الجهود الدبلوماسية عن تقدم يُذكر. وأسهمت التوترات الحدودية، وتبادل الاتهامات، وغياب آليات اتصال فعالة في تعميق حالة عدم الثقة.
وعلى خلاف جبهات أخرى نجحت فيها باكستان في إعادة المعايرة والانخراط، بقيت أفغانستان مصدر إحباط استراتيجي، بما يعكس تعقيدات المشهد الإقليمي بعد الانسحاب.
عام من التعافي الاستراتيجي
ومع اقتراب عام 2025 من نهايته، يعكس سجل السياسة الخارجية لباكستان عاماً من التعافي الاستراتيجي أكثر منه تحولاً دراماتيكياً. فقد أسهم التحسن غير المسبوق في العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب، وإعادة معايرة التصورات الإقليمية بعد الحرب، وتعميق الانخراط في الشرق الأوسط، واستمرار الشراكات مع الصين وروسيا، مجتمعةً، في استعادة باكستان لمكانتها على الساحة العالمية.
ولا تزال التحديات قائمة، خاصة على الحدود الغربية، إلا أن المسار العام يشير إلى دولة تعلمت توظيف جغرافيتها وقدراتها الأمنية ودبلوماسيتها على نحو أكثر فاعلية.
وفي بيئة دولية مضطربة، أنهت باكستان عام 2025 لا كدولة تكتفي برد الفعل، بل كفاعل بات يسهم على نحو متزايد في تشكيل الأحداث. ويبقى الحفاظ على هذا الزخم في عام 2026 رهناً بالاستقرار الداخلي والقدرة على تحويل الأهمية الاستراتيجية إلى مكاسب اقتصادية وسياسية طويلة الأمد.



