وقّعت باكستان وبنك التنمية الآسيوي اتفاقيتين تمويليتين رئيسيتين بقيمة إجمالية تبلغ 730 مليون دولار، تهدفان إلى تعزيز شبكة نقل الكهرباء في البلاد وتسريع إصلاحات مؤسسات القطاع العام، بحسب ما أفاد مسؤولون يوم الخميس.
وتشمل الاتفاقيتان مشروعاً ثانياً لتعزيز نقل الطاقة بقيمة 330 مليون دولار، وبرنامجاً لتسريع تحول مؤسسات القطاع العام بقيمة 400 مليون دولار، وذلك وفق بيان صدر عقب مراسم التوقيع.
وتهدف هذه المبادرات إلى تخفيف الضغط عن خطوط النقل المثقلة، وتحسين الأداء التشغيلي، ودفع إصلاحات الحوكمة المتأخرة منذ فترة طويلة.
وكانت باكستان وبنك التنمية الآسيوي قد وقّعا في وقت سابق من هذا العام اتفاقية بقيمة 200 مليون دولار لدعم تحديث شبكة توزيع الكهرباء المتعثرة في البلاد من خلال تحسينات في الشبكة، ما يؤكد توسع انخراط البنك في قطاع الطاقة.
ورحّبت مديرة البنك في باكستان، إيما فان، بالاتفاقيات، مشيدة بالتزام باكستان بأجندة الإصلاح، ومسلطة الضوء على الأهمية الاستراتيجية للاستثمار في قطاع الطاقة.
وأكدت أن «أهمية برنامج تحويل مؤسسات القطاع العام تأتي في وقت حاسم لباكستان، وسيسهم في تعزيز جهود الإصلاح في البلاد»، بحسب البيان.
وتأتي هذه الاتفاقيات بعد موافقة بنك التنمية الآسيوي الشهر الماضي على قرضين بقيمة إجمالية تبلغ 330 مليون دولار لباكستان، لبناء خط نقل كهرباء جديد يربط بين إسلام آباد وفيصل آباد، أحد المراكز الصناعية الكبرى في إقليم البنجاب، في إطار الجهود الأوسع لاستقرار الشبكة الوطنية وتحديثها.
غير أن خبراء يرون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تصميم المشاريع أو حجم التمويل، بل في مدى قدرة هذه المبادرات على معالجة الاقتصاد السياسي للخسائر التي لا تزال تستنزف الحيز المالي وتُضعف القدرة التنافسية.
ووصف الدكتور خالد وليد، من معهد سياسات التنمية المستدامة، حزمة الـ730 مليون دولار بأنها «لحظة مهمة» لباكستان، لكنه حذّر من أن نجاحها يعتمد على معالجة أوجه القصور المتجذرة.
وأشار إلى تقرير وزارة المالية نصف السنوي حول مؤسسات القطاع العام الفدرالية للسنة المالية 2025، الذي يرسم صورة قاتمة، إذ تجاوزت الخسائر المتراكمة في كبرى مؤسسات القطاع العام 5.8 تريليون روبية. وتتحمل الهيئة الوطنية للطرق السريعة وحدها نحو تريليوني روبية من الخسائر المتراكمة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى نموذج توسع قائم على الديون وهيكل غير مستدام لإيرادات الرسوم.
وقال وليد: «هذه ليست مشكلة قطاعية، بل مشكلة منهجية». ففي البنية التحتية، يعكس تزايد ديون هيئة الطرق السريعة إنشاء أصول منفصل عن واقعية التدفقات النقدية. وفي قطاع الطاقة، يبدو الوضع أسوأ، إذ تُقدَّر خسائر شركات توزيع الكهرباء، بعد استبعاد الدعم، بنحو 600 مليار روبية سنوياً نتيجة الخسائر الفنية المرتفعة وضعف التحصيل وفشل الحوكمة، وهي خسائر تغذي مباشرة الدين الدائري وتصاعد مدفوعات السعة في المراحل الأعلى من سلسلة الإمداد.
وفي ضوء ذلك، يرى منتقدون أن تعزيز بنية النقل، رغم ضرورته، قد يتحول إلى حل جزئي. وقال وليد: «إصلاح التوليد أو النقل دون إصلاح التوزيع يشبه تركيب عداد ذكي على أنبوب مثقوب».
ويكمن القلق في أن برنامج تحويل مؤسسات القطاع العام، بصيغته الحالية، قد يكون محدود النطاق. فعلى الرغم من أن إصلاح الهيئة الوطنية للطرق السريعة يمثل نقطة انطلاق منطقية، يرى محللون أنه يجب أن يتجاوز تحسينات الكفاءة التدريجية نحو إعادة هيكلة أعمق، مثل إعادة تدوير الأصول، وتوريق الرسوم، وتشغيل الطرق السريعة بنظام الامتيازات، بدلاً من التوسع المستمر في الميزانية العمومية الممول بالديون.
وبالمثل، ينبغي إدراج مؤسسات قطاع الطاقة، ولا سيما شركات توزيع الكهرباء، صراحة ضمن إطار تحول مؤسسات القطاع العام. وتشمل الخيارات الخصخصة، أو الامتيازات طويلة الأجل، أو عقود الإدارة القائمة على الأداء، مدعومة بتطبيق واسع للعدادات الرقمية وأهداف صارمة لخفض الخسائر. ومن دون معالجة خسائر التوزيع، فإن أي مكاسب ناتجة عن تحسين قدرات النقل قد تتلاشى بسبب التسربات الهيكلية.
ويرتبط هذا الجدل أيضاً بتحديات التحول الطاقي الأوسع في باكستان. إذ يواجه قطاع الطاقة مفارقة متزايدة تتمثل في ارتفاع رسوم السعة بالتوازي مع تزايد عدم استغلال أصول التوليد، وهو ما تفاقمه الزيادة السريعة في أنظمة الطاقة الشمسية على الأسطح. ومن المرجح أن يتصاعد هذا الاتجاه مع استجابة الصناعات التصديرية لآلية تعديل حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي، من خلال المطالبة بطاقة أنظف، ما يدفع محطات التوليد الحرارية القديمة إلى خارج ترتيب الأفضلية.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن انخراط بنك التنمية الآسيوي ينبغي أن يتجاوز تعزيز الشبكة ليشمل دعم آلية للتحول الطاقي. واقترح الدكتور وليد أن الانتقال المبكر والمنظم، والمدعوم مالياً، للأصول الحرارية الخاسرة، بدءاً بمحطة جامشورو العاملة بالفحم والممولة من البنك، يمكن أن يقلل مدفوعات السعة المستقبلية، ويخفف ضغوط الدين الدائري، ويخلق نموذجاً قابلاً للتكرار لمحطات أخرى.
وقال: «مشروع النقل يؤمّن العمود الفقري للشبكة، لكنه لا يحل التناقض بين فائض القدرة والضغط المالي المتزايد. وهذا يتطلب مواجهة الأصول الحرارية العالقة ومواءمة إصلاح مؤسسات القطاع العام مع التحول الطاقي».
وفي المحصلة، تسلط حزمة الـ730 مليون دولار الضوء على الفرص والمخاطر معاً. فإذا اقترنت بإصلاحات صعبة سياسياً لكنها ضرورية اقتصادياً، فقد تُحفّز إعادة هيكلة طال انتظارها لمؤسسات القطاع العام وقطاع الطاقة في باكستان. أما إذا لم يحدث ذلك، فيحذر منتقدون من أنها قد تضيف أصولاً جديدة إلى نظام قديم ما زال مثقلاً بالخسائر والديون وإخفاقات الحوكمة.



