باكستان تتشاور مع تركيا وإيران بشأن خطة غزة

كثّفت باكستان مشاوراتها الدبلوماسية مع شركاء إقليميين رئيسيين بشأن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة ومرحلتها المقبلة، التي تتضمن، من بين أمور أخرى، نشر قوة متعددة الجنسيات في واحدة من أكثر بؤر التوتر استعصاءً في العالم.

ويوم الأحد، أجرى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محادثات مع نظيريه التركي والإيراني، ركزت على خطة السلام الخاصة بغزة.

وأفادت مصادر دبلوماسية لصحيفة «إكسبريس تريبيون» أن إسلام آباد تنخرط بشكل نشط مع الدول الصديقة، ولا سيما تركيا وإيران، لتبادل وجهات النظر حول تطورات الأوضاع الميدانية في غزة، واستكشاف سبل تقديم المساعدات الإنسانية، وضمان استدامة وقف إطلاق النار، وترتيبات الاستقرار على المدى الأطول في إطار دولي.

وتأتي هذه المشاورات في أعقاب تصريحات حديثة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، كشف فيها أن باكستان من بين عدد محدود من الدول التي يجري التواصل معها بشأن المساهمة بقوات محتملة في قوة دولية مستقبلية لتحقيق الاستقرار في غزة.

وأوضح روبيو، خلال تفاعل مع وسائل الإعلام، أن واشنطن ترى أن الدول ذات الغالبية المسلمة، التي تمتلك جيوشاً مهنية ومصداقية في عمليات حفظ السلام، يمكن أن تلعب دوراً بنّاءً في أي آلية أمنية لما بعد الحرب.

غير أن المسؤولين الباكستانيين يؤكدون أن إسلام آباد، رغم انفتاحها على النقاش، وضعت خطوطاً حمراء واضحة.

وقال مسؤول رفيع المستوى، طلب عدم الكشف عن هويته: «لن تكون باكستان جزءاً من أي قوة مكلفة بنزع سلاح حماس أو الانخراط في عمليات قتالية ضد فصائل المقاومة الفلسطينية».

وأضاف: «أي مساهمة محتملة، إن وُجدت، ستكون حصراً ضمن إطار تفويض من الأمم المتحدة، وتركز على تحقيق الاستقرار، وحماية المدنيين، وتسهيل المساعدات الإنسانية».

وأكد المسؤول أن موقف باكستان التاريخي من القضية الفلسطينية، القائم على دعم حل الدولتين على أساس حدود ما قبل عام 1967، مع القدس الشريف عاصمةً للدولة الفلسطينية المستقلة، لا يزال ثابتاً. وقال: «نهجنا مبدئي وليس قائماً على الصفقات».

وقد انعكست هذه الإشارات الدبلوماسية في سلسلة من الاتصالات رفيعة المستوى خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأجرى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، السيناتور إسحاق دار، اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بحثا خلاله آخر التطورات المتعلقة بفلسطين وغزة، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الباكستانية يوم الأحد.

وذكر البيان أن الجانبين تبادلا وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية، وأكدا أهمية تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والربط الإقليمي والتبادل الشعبي.

كما جددا التزامهما المشترك بتعزيز السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة، وهي صياغة يرى دبلوماسيون أنها تحمل دلالة خاصة في سياق غزة.

وتُعد تركيا من أكثر الفاعلين الإقليميين دعوةً إلى وقف فوري لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإقامة آلية حماية دولية للفلسطينيين.

ويقول مسؤولون باكستانيون إن آراء أنقرة تكتسب أهمية متزايدة مع تقدم النقاشات حول ترتيبات ما بعد النزاع.

وفي اليوم نفسه، تحدث دار أيضاً مع وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي، حيث استعرض الجانبان التعاون الثنائي في مختلف القطاعات وتبادلا وجهات النظر حول التطورات الإقليمية، بحسب ما أفادت به وزارة الخارجية. وأكد الطرفان عزمهما العمل بشكل وثيق من أجل السلام والتنمية في المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التجارة والربط والتواصل الشعبي.

ويرى مراقبون دبلوماسيون أن تحرك إسلام آباد المتوازي تجاه كل من أنقرة وطهران يعكس رغبة باكستان في البقاء منسجمة مع أصحاب المصلحة الإقليميين الرئيسيين، مع الحرص على التعامل بحساسية مع تعقيدات ملف غزة.

وتبقى الجماعات المدعومة من إيران، بما في ذلك حماس، عاملاً مركزياً في ديناميكيات الصراع، ما يمنح الخطوط الحمراء الباكستانية أهمية خاصة.

وقال مسؤول آخر: «لباكستان سجل قوي في عمليات حفظ السلام، لكن غزة أكثر تعقيداً سياسياً وعسكرياً بكثير من مهام الأمم المتحدة التقليدية».

وأضاف: «إسلام آباد تبعث برسالة مفادها استعدادها للمساهمة في الاستقرار، لكن من دون أن يُنظر إليها على أنها تفرض أجندة ضد الفلسطينيين».

وتُعد باكستان من أكبر الدول المساهمة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على مستوى العالم، حيث خدم عشرات الآلاف من جنودها في مناطق نزاع بإفريقيا وغيرها.

وقد جعلتها هذه الخبرة مرشحة دائمة في النقاشات المتعلقة بقوات الاستقرار الدولية. إلا أن المسؤولين يشددون على أن غزة تمثل تحديات فريدة، من بينها غياب تسوية سياسية شاملة وخطر توسع المهام.

وتقول المصادر إن مشاورات باكستان تركز أيضاً على ضمان أن تكون أي قوة دولية مستقبلية محايدة فعلياً، وتعمل بموافقة الفلسطينيين، وتندرج ضمن عملية سياسية أوسع تقود إلى دولة فلسطينية قابلة للحياة، لا أن تكون بديلاً عنها.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن إسلام آباد تبقي خياراتها مفتوحة، موازنةً بين التوقعات الدولية والرأي العام الداخلي وموقفها التاريخي من فلسطين. وكما قال أحد المسؤولين: «ستدعم باكستان السلام في غزة، لكن السلام لا يمكن بناؤه بتهميش تطلعات الفلسطينيين أو بفرض الحلول بقوة السلاح».

ومن المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة مزيداً من الانخراط الدبلوماسي مع استمرار النقاشات الإقليمية والدولية حول ملامح غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وإمكانية أن تنجح قوة دولية لتحقيق الاستقرار دون تعميق الانقسامات القائمة.