تُعد بلوشستان أكبر أقاليم باكستان من حيث المساحة، وهي غنية بالموارد، لكنها عانت للأسف من قلة الفرص. وعلى مدى عقود، واجه سكان بلوشستان تحديات متعددة، من بينها ضعف البنية التحتية، وارتفاع معدلات البطالة، ومحدودية الوصول إلى الأسواق، والتخلف التنموي. وقد أدت هذه التحديات، مقارنةً بالأقاليم الأخرى في باكستان، إلى شعور لدى أبناء بلوشستان بالتهميش والإهمال. وفي ظل هذه الظروف، شكّل الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، المشروع الرائد ضمن مبادرة الحزام والطريق، بارقة أمل وفتح فصلًا جديدًا من التقدم والتنمية في الإقليم.
يُنظر إلى الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني على أنه عامل تغيير جذري لباكستان عمومًا، ولبلوشستان على وجه الخصوص. فهو ليس مجرد مجموعة من المشاريع، بل رؤية شاملة للترابط الإقليمي والنمو المشترك. وتكمن أهمية CPEC بالنسبة لبلوشستان في أن هذا الإقليم يربط باكستان بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وما بعدهما. ومن خلال تحسين البنية التحتية وخلق الفرص الاقتصادية، يساعد CPEC بلوشستان على الانتقال من العزلة إلى الاندماج الإقليمي.
وبفضل CPEC، تشهد بلوشستان تحولًا كبيرًا في المشهد التنموي. سواء في مشاريع الطاقة، أو الطرق والربط، أو تطوير ميناء غوادر، أو مشاريع القطاع الاجتماعي، أو المناطق الصناعية، فقد تحقق تقدم ملموس في مختلف القطاعات.
وبحسب الوثائق الرسمية، فإن العديد من المشاريع الكبرى، الممولة عبر مزيج من المنح ونماذج البناء-التشغيل-النقل (BOT) وتمويل برنامج التنمية للقطاع العام (PSDP) والاستثمارات الصينية، قد اكتملت أو تسير بوتيرة سريعة، مما يعزز دور CPEC كمحرك رئيسي للتنمية الإقليمية.
تطوير ميناء غوادر
يُعد تطوير ميناء غوادر أحد أبرز مشاريع CPEC في بلوشستان. فقد كانت غوادر في الماضي بلدة صيد صغيرة، لكنها اليوم تتحول إلى ميناء بحري عميق حديث يُنظر إليه على أنه «جوهرة التاج» في CPEC، ويكتسب أهمية عالمية متزايدة. ويقع الميناء على بحر العرب قرب مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية، ما يمنح باكستان وصولًا مباشرًا إلى طرق التجارة البحرية العالمية ويقلل الاعتماد على مينائي كراتشي وقاسم. كما يشكل بوابة محتملة لتجارة آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ويمنح بلوشستان دورًا محوريًا في التجارة الإقليمية. ويسهم تطوير مرافق الميناء ومناطق التخزين والمناطق الحرة في خلق فرص عمل جديدة للسكان المحليين وجذب الاستثمارات من داخل باكستان وخارجها.
المنطقة الحرة في غوادر
إلى جانب تطوير الميناء، تُعد المنطقة الحرة في غوادر خطوة رئيسية نحو النمو الاقتصادي. فهي منطقة صناعية وتجارية كبرى ضمن CPEC، وتوفر إعفاءات ضريبية وتسهيلات لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتهدف إلى أن تكون مركزًا إقليميًا للتجارة والخدمات اللوجستية. وتشجع المنطقة صناعات متعددة مثل الخدمات اللوجستية وصيد الأسماك والتخزين، ما يسهم في تنويع الاقتصاد المحلي وتقليل الاعتماد على سبل العيش التقليدية، وخلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة.
وتتكون المنطقة الحرة من مرحلتين: المرحلة الأولى (المنطقة الأولية) اكتملت وركزت على البنية التحتية الأساسية والخدمات، فيما تركز المرحلة الثانية (المنطقة الرئيسية) على الابتكار والتحديث الصناعي، باستثمار يُقدّر بنحو 285 مليون دولار بنظام BOT.
مطار غوادر الدولي الجديد
يُعد مطار غوادر الدولي الجديد، الذي اكتمل بتكلفة 230 مليون دولار، مشروعًا بارزًا آخر. وقد جُهز بأحدث التقنيات وقادر على استقبال الطائرات الكبيرة وفق المعايير الدولية. ولا يمثل تشغيل المطار إنجازًا لوجستيًا فحسب، بل مؤشرًا على تحول اقتصادي واسع، إذ يُتوقع أن يعزز السياحة والتجارة ويجذب الاستثمارات.
الطرق والربط
شهدت البنية التحتية للطرق تحسنًا ملحوظًا بفضل CPEC، بعد أن كانت الطرق الرديئة تعيق الحركة وتزيد التكاليف. وقد حسّنت مشاريع مثل الطريق السريع M-8، والطريق N-85، وطريق كويته-ژوب، الربط داخل الإقليم، وقللت زمن السفر وكلفة النقل، وسهّلت الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والأسواق.
ومن المشاريع المكتملة طريق إيست باي السريع المرحلة الأولى، وطريق خضدار-باسيمة، في حين تشمل المشاريع الجاري تنفيذها طرقًا استراتيجية أخرى من شأنها فتح آفاق اقتصادية جديدة لبلوشستان.
مشاريع الطاقة
أسهم CPEC بشكل كبير في تحسين إمدادات الطاقة في بلوشستان، حيث عانت مناطق كثيرة من نقص الكهرباء. ومن أبرز الإنجازات تشغيل محطة Hub للطاقة الفحمية بقدرة 1320 ميغاواط، إضافة إلى مشروع محطة غوادر الفحمية بقدرة 300 ميغاواط قيد الإنشاء. ويساعد توفر الطاقة على تشغيل الصناعات وتحسين الخدمات الأساسية ورفع جودة الحياة.
مشاريع القطاع الاجتماعي
لا يقتصر CPEC على البنية التحتية والطاقة، بل يشمل أيضًا مشاريع اجتماعية تهدف إلى تحسين مستوى معيشة السكان، مثل المستشفيات، ومراكز الحروق، والفصول الذكية، والمعاهد المهنية، ومشاريع المياه والطاقة الشمسية. وقد اكتملت عدة مبادرات ممولة بالمنح، بينما يجري تنفيذ مشاريع أخرى في مجالات الصحة والتعليم والزراعة.
المناطق الاقتصادية الخاصة
تُعد المناطق الاقتصادية الخاصة المخطط لها في بلوشستان، مثل بوستان وهَب والمنطقة الحرة في غوادر، مصدرًا آخر للأمل. فهي مصممة لجذب الاستثمارات في الزراعة والتعدين والتكنولوجيا والصناعة، وتوفير فرص عمل، ونقل المهارات، وتعزيز التنمية المتوازنة.
رؤية ختامية
يمكن القول إن الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني أعاد تشكيل الأهمية الاستراتيجية لبلوشستان داخل باكستان. فالإقليم الذي عانى طويلًا من الإهمال بات اليوم عند مفترق طرق الربط الإقليمي، ويشهد تحولات كبيرة بفضل CPEC. ورغم استمرار التحديات، فإن الاتجاه واضح: لقد وضع CPEC الأساس لنمو طويل الأمد في بلوشستان، ومع الالتزام المستمر والشفافية والمشاركة المحلية، يمكن لهذه المشاريع أن تُحدث تغييرًا إيجابيًا دائمًا.



