تدفقات التحويلات المالية تقود فائضًا قدره 100 مليون دولار في الحساب الجاري لباكستان

 

سجّلت باكستان فائضًا في الحساب الجاري بقيمة 100 مليون دولار في نوفمبر 2025، بعد أن كانت قد سجلت عجزًا قدره 291 مليون دولار في أكتوبر. غير أن هذا التحسّن المحدود تحقق رغم التراجع الحاد في صادرات السلع، وكان مدفوعًا تقريبًا بالكامل بتحويلات العمالة الباكستانية في الخارج، التي لا تزال تتلقى دعمًا مؤسسيًا ضئيلًا أو معدومًا من الدولة.

وبدلًا من أن يعكس هذا الفائض تحسّنًا في القدرة التنافسية للصادرات أو في الطاقة الإنتاجية، فإنه يبرز اعتماد باكستان المتزايد على تدفقات التحويلات المالية الناتجة عن العمال المهاجرين، الذين يواجه كثير منهم عوائق منهجية ومضايقات وسوء معاملة من قبل سلطات الهجرة والعمل والجهات التنفيذية، بما في ذلك وكالة التحقيقات الفدرالية (FIA).

وجاء هذا الفائض رغم الضغوط الواضحة على جبهة التجارة. فقد تراجعت صادرات السلع على أساس سنوي، في ظل ضغوط الأسعار، وضعف اهتمام الشركات، والتحديات التنافسية التي تواجه قطاعات التصدير الباكستانية. وتُظهر بيانات بنك الدولة الباكستاني أن صادرات السلع خلال نوفمبر بلغت 2.27 مليار دولار، بينما بلغت الواردات 4.73 مليارات دولار، ما أسفر عن عجز تجاري قدره 2.45 مليار دولار خلال الشهر. ويبرز هذا التدهور في التجارة السلعية هشاشة تعافي الاقتصاد، مع فشل زخم الصادرات في مجاراة نمو الواردات.

ومع ذلك، ظل الحساب الخارجي في وضع فائض إلى حد كبير بفضل التدفقات القوية للدخل الثانوي، التي تهيمن عليها تحويلات العاملين. فقد بلغت التحويلات 3.19 مليارات دولار في نوفمبر، لترفع إجمالي تدفقات الدخل الثانوي إلى 3.46 مليارات دولار خلال الشهر، وهو ما عوّض بأكثر من كافٍ العجوزات في حسابات السلع والخدمات والدخل الأولي.

وقد تحولت التحويلات الضخمة لباكستان، التي تصل إلى نحو 38 مليار دولار سنويًا وتشكل قرابة 10% من الناتج المحلي الإجمالي، paradoxically إلى فخ اقتصادي أكثر من كونها شريان حياة، كما أشار الاقتصادي عاطف ميان في مدونته الأخيرة. إذ تُغذي هذه التدفقات الكبيرة من العمالة في الخارج نموًا سريعًا في الاستهلاك يتجاوز توسّع الطاقة الإنتاجية. ويؤدي هذا الخلل إلى ارتفاع حقيقي في قيمة الروبية الباكستانية، ما ينتج عنه سعر صرف مبالغ في تقديره يضعف تنافسية قطاعات التصدير. ونتيجة لذلك، تتراجع الصناعات التصديرية التقليدية، بينما يصبح الاقتصاد أكثر اعتمادًا على استمرار تدفقات التحويلات للحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي والإنفاق الأسري.

وتشبه هذه الظاهرة إلى حد كبير ما يُعرف بـ«المرض الهولندي»، حيث تؤدي تدفقات الموارد المفاجئة إلى إقصاء القطاعات القابلة للتداول وتكريس مواطن الضعف الهيكلية. ويشير ميان إلى أن انخفاض نسب الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل مزمن يُعد نتيجة مباشرة لذلك، إذ إن المبالغة في تقييم سعر الصرف تُثبط الاستثمارات الإنتاجية في التصنيع والصادرات. وبدلًا من ذلك، يظل الاقتصاد عالقًا في حلقة اعتماد على التحويلات، ما يعزز الركود ويحد من إمكانات النمو على المدى الطويل، بينما تستفيد النخب في القطاعات الريعية من الوضع القائم دون حوافز لإصلاحات أوسع.

وعلى أساس تراكمي، سجّل حساب الفترة من يوليو إلى نوفمبر من السنة المالية 2025-2026 فائضًا قدره 578 مليون دولار، مقارنة بعجز بلغ 1.88 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، ما يؤكد الدور الحاسم الذي يلعبه الباكستانيون في الخارج في استقرار ميزان المدفوعات.

ويعكس تباطؤ الصادرات استمرار الاختناقات الهيكلية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف القيمة المضافة، وتراجع الطلب في الأسواق الرئيسية. وتُظهر بيانات بنك الدولة نموًا سلبيًا للصادرات في نوفمبر، حيث انكمشت صادرات السلع بنسبة 18.5% على أساس شهري، في حين توسعت الواردات بنسبة 15%، ما زاد الضغط على الميزان التجاري.

ويشير اقتصاديون إلى أن اعتماد باكستان على قاعدة تصديرية ضيقة، تهيمن عليها المنسوجات، جعلها شديدة التأثر بالتباطؤات العالمية وصدمات الأسعار. وعلى الرغم من تعافٍ متواضع في صادرات الخدمات، بما في ذلك الإيرادات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات، فإن العجز الإجمالي في السلع والخدمات اتسع إلى 2.59 مليار دولار في نوفمبر.

وخلف العناوين التي تتحدث عن فائض، تكمن حقيقة أكثر قتامة: فمرونة الوضع الخارجي لباكستان تُموَّل على نحو متزايد من عمالة مهاجرة منخفضة الأجر، يعمل كثير منها في دول الخليج ومناطق أخرى في ظروف صعبة. ويشير محللون إلى أن ارتفاع التحويلات لا يعكس بالضرورة تحسنًا في رفاهية المهاجرين، بل ضغوطًا مالية أكبر عليهم، حيث يرسلون جزءًا أكبر من دخولهم لدعم أسر تواجه تضخمًا وركودًا في الأجور داخل البلاد.

ويواجه العديد من هؤلاء العمال انعدام الأمن الوظيفي، وتأخر الأجور، وساعات عمل أطول، وحماية قانونية محدودة، لا سيما في قطاعات البناء والعمل المنزلي والخدمات منخفضة المهارة. وعلى الرغم من هذه التحديات، ظلت تدفقات التحويلات قوية، لتعمل فعليًا كخط الدفاع الأول لباكستان في مواجهة الصدمات الخارجية.

وتُظهر أرقام بنك الدولة أن تحويلات العاملين شكّلت أكثر من 93% من إجمالي تدفقات الدخل الثانوي في نوفمبر، ما يبرز الاعتماد العميق للاقتصاد على أرباح المهاجرين بدلًا من النمو القائم على الصادرات أو الاستثمار الأجنبي.

وقد وفر فائض نوفمبر متنفسًا محدودًا لوضع النقد الأجنبي في باكستان. إذ ارتفعت الاحتياطيات الإجمالية لدى بنك الدولة إلى 15.86 مليار دولار بنهاية نوفمبر، في حين بلغت الاحتياطيات باستثناء متطلبات الاحتياطي النقدي (CRR) ومتطلبات الاحتياطي القانوني (SCRR) نحو 14.68 مليار دولار.

في المقابل، ظلت تدفقات الدخل الأولي الخارجة، ولا سيما مدفوعات الفوائد على الدين الخارجي، مرتفعة عند 817 مليون دولار في نوفمبر، ما أبقى الضغط على حساب الدخل وعزز المخاوف المتعلقة باستدامة الدين.