تحسّن مؤشرات الاقتصاد ينعش الآمال… ورجال الأعمال يطالبون بإصلاحات هيكلية لضمان النمو المستدام

أدّت التحسينات الأخيرة في الوضع المالي الخارجي لباكستان إلى قدر من التفاؤل الحذر لدى صناع السياسات، لكن مجتمع الأعمال يرى أن البلاد لا تزال بحاجة إلى إصلاحات هيكلية أعمق للانتقال نحو نمو اقتصادي مستدام.

وتتركز مخاوفهم على استمرارية السياسات، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وبطء الاستثمار، وقاعدة الصادرات الضيقة التي لا تزال غير قادرة على دعم الاستقرار طويل الأمد.

وقال عضو اللجنة التنفيذية العليا في غرفة تجارة وصناعة لاهور، علي عمران أسف، إن الاقتصاد دخل مرحلة تُظهر فيها المؤشرات المؤقتة انطباعًا بحدوث تحسّن طويل المدى. وأشار إلى أن ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي – المدعوم بعمليات شراء استراتيجية وتخفيض الالتزامات الآجلة – أمر مشجّع، لكنه لا يعكس حتى الآن تحولًا في الأسس الاقتصادية. وأضاف أن على الحكومة أن تتجاوز الإجراءات القائمة على الاستهلاك قصيرة المدى، وأن تجعل من التخطيط الطويل، والتفاعل الفعّال مع أصحاب المصلحة، واستقرار هيكل السياسات جزءًا من الإطار الاقتصادي الوطني.

وقال: “نحتاج إلى الانتقال من الاستقرار المؤقت إلى الإنتاجية طويلة الأجل. استمرارية السياسات أمر ضروري إذا أردنا أن يرتفع الاستثمار.”

وأشار أسف إلى أن تحقيق فائض أولي لثلاث سنوات متتالية أسهم في الانضباط المالي، لكن الاستثمار الخاص لا يزال أقل من المطلوب. واعتبر أن ذلك يعود إلى تغييرات ضريبية مفاجئة في السابق، وتعديلات في السياسات خلال العام، وإشارات اقتصادية متذبذبة أثرت على ثقة المستثمرين. وقال: “لا تزال الشركات تتذكر فترات عدم اليقين السابقة، وهذا التاريخ يؤثر على قراراتها.”

ومع تجاوز عدد سكان باكستان 250 مليون نسمة، شدد أسف على أن النمو الحالي البالغ 3 إلى 4% لا يمكنه تلبية احتياجات سوق العمل أو المتطلبات الاقتصادية المتزايدة. ودعا صناع السياسات إلى إدراك أن النمو المستدام لن يتحقق إلا عبر رفع الإنتاجية وتعزيز الصادرات. وقال: “بلد بهذا الحجم يحتاج إلى قاعدة صادرات أكبر وأكثر قدرة على المنافسة. وبدون ذلك، ستظل قيود النمو قائمة.”

وأكد أن القيمة المضافة وتحسين القدرة التنافسية يجب أن يقودا نهج الحكومة في تعزيز الصادرات. وبحسب رأيه، يجب تقديم دعم مركّز للقطاعات ذات الإمكانات التصديرية إلى أن تصبح قادرة على العمل دون مساعدة حكومية. وقال: “إذا حققت قطاعات التصدير الاستقرار، فسوف تتحسن تدفقات النقد الأجنبي تلقائيًا، ما يقلل الضغط على الاحتياطيات.”

وجدد أسف التأكيد على أن ارتفاع تكلفة الاقتراض أصبح عائقًا رئيسيًا أمام الصناعات التي تخطط للتوسع أو التحديث التكنولوجي. وقال إن مجتمع الأعمال يتوقع من البنك المركزي خفض سعر الفائدة في اجتماعه القادم، ما سيساعد على إنعاش النشاط الصناعي. وقد عبّر محافظ البنك المركزي، جميل أحمد، في فعالية اقتصادية مؤخرًا عن قلق مشابه، إذ قال إن نموذج النمو الحالي في باكستان لا يمكنه تلبية الاحتياجات الاقتصادية المستقبلية، وإن الشركات المحلية يجب أن تعزز تنافسيتها العالمية.

وأضاف إلى ذلك ناير علي، أحد مصدري المنسوجات في إقليم البنجاب، قائلاً إن القطاع لديه القدرة على التوسع لكنه يحتاج إلى قدر أكبر من الاستقرار في السياسات الحكومية. وقال إن القطاع الخاص يمكنه زيادة استثماراته إذا حصل على ضمانات بأن القوانين الضريبية، وإجراءات الاستيراد، وتسعير الطاقة ستظل مستقرة لفترة معقولة. وأضاف: “لا يمكننا التخطيط للمستقبل إلا إذا علمنا أن البيئة لن تتغير بشكل مفاجئ.”

وأشار علي إلى أن الشركات المصدّرة تواجه تأخيرات في استرداد المستحقات وارتفاع تكاليف المدخلات، وكلاهما يؤثر على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. وبحسب قوله، فإن الاتساق في العمليات الإدارية لا يقل أهمية عن الاتساق في السياسات. وقال: “عدم اليقين يرفع التكاليف ويؤثر على مواعيد التسليم. أما الاستقرار فيساعد في الحفاظ على القدرة التنافسية.”

وتبرز المخاوف التي يطرحها مجتمع الأعمال قضية أوسع — فبالرغم من أن التحسن الأخير في الاحتياطيات والتضخم والمؤشرات المالية يمثل تقدماً، إلا أن الاقتصاد يحتاج إلى إصلاحات هيكلية للحفاظ على هذه المكاسب. ويرى قادة الأعمال أن القرارات المقبلة، خصوصًا المتعلقة بسعر الفائدة والضرائب وتسهيل الصادرات، ستلعب دورًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت باكستان قادرة على الانتقال نحو مسار نمو أكثر استقرارًا واستدامة.

لقد خلق الاستقرار المؤقت فرصة، لكنها تحتاج إلى دعم يتمثل في استمرارية السياسات، والتخطيط القائم على تعزيز الصادرات، وبيئة جاذبة للاستثمار. فهذه العناصر هي التي ستحدد ما إذا كانت التحسينات الحالية ستتطور إلى استقرار اقتصادي طويل الأمد أم ستظل محصورة في مكاسب قصيرة المدى، بحسب ما أضافه علي.