في ضوء تصاعد الإرهاب عبر الحدود والهجمات الأخيرة التي استهدفت قوات الأمن في أوركزاي وديرا إسماعيل خان، أصدرت القيادة المدنية والعسكرية في باكستان رسالة واضحة وموحدة إلى ميسّري مسلحي “فتنة الخوارج” مفادها تسليمهم للدولة أو مواجهة الإبادة.
بعد استشهاد أكثر من اثني عشر جندياً، من بينهم ثلاثة ضباط، في عمليات استخباراتية حديثة في أوركزاي وديرا إسماعيل خان، أكدت حكومة باكستان من جديد عزمها الذي لا يتزعزع على اجتثاث الإرهاب وتفكيك جميع هياكل دعمه.
وقد صرّح رئيس الوزراء محمد شهباز شريف مؤخراً في بيان قوي: “لقد رسمت دماء شهدائنا خطاً واضحاً. أولئك الذين يتحدون سلطة الدولة يجب أن يستسلموا أو سيتم القضاء عليهم”.
وقد ردد هذا الالتزام المدير العام للعلاقات العامة للخدمات المشتركة (ISPR)، الفريق الركن أحمد شريف شودري، في إيجاز صحفي بمقر الفيلق في بيشاور، حيث قال: “هذه ليست مجرد عملية عسكرية، بل هي حرب وطنية من أجل البقاء. سيتم التعامل مع كل ميسّر ومتعاطف مع فتنة الخوارج بكامل قوة الدولة”.
كما حذر من أن تسييس عمليات مكافحة الإرهاب أو الدفاع عن الأنشطة غير المشروعة مثل التهريب والمخدرات التي تموّل الإرهاب، يشكّل مساعدة للعدو.
ترحيب بالنهج الحاسم والدعوة لعودة اللاجئين الأفغان غير المسجلين
وقد رحب وزير الداخلية والمفتش العام للشرطة السابق في خيبر بختونخوا، سيد أختر علي شاه، بالنهج الحكومي الحاسم، واصفاً إياه بأنه خطوة تأخرت طويلاً لكنها ضرورية نحو سلام مستدام.
وقال: “الجهود ضد الإرهاب يجب أن تكون ثابتة ومتسقة. لقد انتهى عهد أنصاف الإجراءات”.
كما حث حكومة طالبان المؤقتة في أفغانستان على الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاق الدوحة ومنع استخدام الأراضي الأفغانية ضد باكستان. وألقى باللوم على الوكلاء المتمركزين في أفغانستان، والمدعومين من الاستخبارات الهندية، في زعزعة استقرار المناطق الحدودية الباكستانية.
وأيّد المحلل الدفاعي البارز العميد المتقاعد محمود شاه موقف المدير العام للعلاقات العامة للخدمات المشتركة، مؤكداً على أن مؤسسات الأمن القومي متوائمة.
وأضاف: “الأسلحة التي تُركت في أفغانستان بقيمة تزيد عن 7.2 مليار دولار بعد الانسحاب الأمريكي، قد عززت العناصر الإرهابية في أفغانستان وأصبحت تشكل تهديداً لأمن المنطقة”.
كما أكد على أن باكستان استضافت لفترة طويلة اللاجئين الأفغان لأسباب إنسانية لأكثر من أربعة عقود، لكن الهجمات عبر الحدود والإرهاب اختبرت صبر الأمة وسيادتها. وقال إنه حان الوقت لجميع اللاجئين الأفغان غير المسجلين للعودة إلى وطنهم.
تمويل الإرهاب والتركيز على الإصلاحات
سلط كل من الخبراء العسكريين والدفاعيين الضوء على الصلة الخطيرة بين الإرهاب والمخدرات والتهريب غير المشروع.
إن الأموال السوداء المتولدة عبر هذه الوسائل غير القانونية تموّل التطرف العنيف في خيبر بختونخوا وبلوشستان. وأضاف العميد محمود: “أي شخص يدافع عن التجارة غير المشروعة أو يقوّض عمليات الدولة يُمكّن العدو”.
ومن الأوساط الأكاديمية، صدرت دعوات لتنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها بموجب خطة العمل الوطنية (NAP) لعام 2014.
أكد الدكتور إعجاز خان، الرئيس السابق لقسم العلاقات الدولية في جامعة بيشاور، أنه “لو تم تنفيذ تنظيم المدارس الدينية والإصلاحات القضائية وبناء قدرات إدارة مكافحة الإرهاب (CTD) بفعالية، لكان الوضع الأمني اليوم مختلفاً بشكل كبير في خيبر بختونخوا”.
وقال إن 55% فقط من بين أكثر من 4,300 مدرسة دينية في خيبر بختونخوا مسجلة رسمياً. وشدد على الحاجة إلى آليات قضائية لمواجهة الدعاية القائمة على وسائل التواصل الاجتماعي والشبكات الإجرامية التي تروج للروايات المتطرفة.
أكد الدكتور زاهد أنور، أستاذ العلوم السياسية في المؤسسة نفسها، على تضحيات القوات المسلحة الباكستانية، وقال إن جنودنا يقودون من الأمام، وغالباً في أصعب الظروف، ويجب ألا تُسيَّس تضحياتهم أبداً.
وقال إن الوحدة الوطنية والاعتراف الدولي بدور باكستان في الحرب على الإرهاب أمران ضروريان.
الرسالة الشاملة من جميع قطاعات المجتمع هي رسالة لا لبس فيها، وهي أن باكستان لن تتسامح مع الإرهاب، ولن تسمح لأي عناصر أجنبية أو محلية بتهديد سلامها وسيادتها.
“هذه معركة سننتصر فيها بقوة شعبنا، ومرونة مؤسساتنا، والتضحيات التي لا تُضاهى لشهدائنا”



