مستقبل البنوك في باكستان يتجه نحو الرقمنة، إذ ركّز مؤتمر قمة ومعرض المستقبل المصرفي الثالث والعشرين على التحول الرقمي في القطاع البنكي من خلال تيسير الخدمات الرقمية للعملاء والتجار عبر حلول الدفع غير النقدي، دمج الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الأمن السيبراني.
نظام اقتصادي بلا نقد
أوضح فيصل محمود، رئيس البنية التحتية الرقمية في “كرنداز”، نمو المعاملات عبر الصرافات الآلية وزيادة استخدام أجهزة نقاط البيع منذ عام 2020، مشيرًا إلى إقبال واسع من الجمهور على القنوات الرقمية. ودعا إلى تحفيز العملاء لاستخدام البدائل غير النقدية، فيما أكد يحيى خان، رئيس مجموعة بنك الفلاح، أن باكستان تسجل أعلى نسبة “نقد إلى الناتج المحلي” بين دول الجوار، ما يستدعي التوجه الجاد نحو اقتصاد بلا نقد.
كما شدد خبراء على ضرورة إقناع التجار بتركيب نقاط الوصول الرقمية (DAPs) رغم قلقهم من تكاليف المعاملات، في حين يغفلون عن التكاليف “المخفية” للتعامل بالنقد. وأشار نجيب أغراوالا، الرئيس التنفيذي لشركة 1LINK، إلى خطط “باي باك” لطرح ميزات الدفع باللمس وتخزين بيانات البطاقات بحلول العام القادم.
الذكاء الاصطناعي في البنوك
تحدث فضل الرحمن من شركة “ديبولد نيكسدورف” عن قدرة الذكاء الاصطناعي على أتمتة 95% من المعاملات البنكية الروتينية. وأوضح شريق مبين، المدير الرقمي في “ميزان بنك”، أن الذكاء الاصطناعي يمكن دمجه في مختلف وظائف البنك، لكنه لا يغني عن العنصر البشري في القرارات التقديرية.
وأضاف أمين الرحمن، المدير الرقمي في “بنك فيصل”، أن الذكاء الاصطناعي يشبه إدخال الصراف الآلي: لم يُلغِ وظيفة الصرّافين، بل أعاد تشكيلها.
من جانبه، أوضح الدكتور أنيل سلمان، رئيس لجنة السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي، أن التقنية تمنح البنوك قوة كبيرة، لكنها تفرض مسؤولية أخلاقية في الاستخدام، مشيرًا إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في الموافقة على القروض ومنع الاحتيال وتخصيص النصائح المالية يمكن أن يوفر مليارات الدولارات للبنوك سنويًا.
السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي
أوضح سلمان أن الركائز الست للسياسة الوطنية تنعكس على القطاع البنكي، بدءًا من تطوير بيئات اختبار (Sandbox) للتقنيات المالية، وصولًا إلى تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتحسين التحويلات المالية. كما يمكن للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تقليص عمليات محاكاة المخاطر من أسابيع إلى ساعات.
الأمن السيبراني العصري
رغم فوائده، فإن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدًا كذلك، إذ أشار كاشف الحق، المدير العام لشركة CISCO في باكستان، إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على اختراق الأنظمة في دقائق. وأكد المشاركون أن الاستثمار المستمر في حلول أمنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي هو السبيل الوحيد لحماية بيانات العملاء.
وطرح سيباستيان باوتيستا من “توبان سيكيوريتي” حلًا لمكافحة الاحتيال عبر بطاقات مصرفية تتغير فيها أرقام CVV ديناميكيًا مع كل عملية شراء، ما يمنع سرقة بيانات البطاقات عند أجهزة الصراف أو نقاط البيع.
التحديات والآفاق
رغم التوجه نحو الاقتصاد الرقمي، إلا أن التطبيق يواجه تحديات، أبرزها صعوبة إقناع صغار التجار بتركيب أجهزة نقاط البيع، وتفضيل أصحاب الأموال غير المصرح بها التعامل بالنقد لتجنّب التتبع، إضافة إلى ضعف البنية التحتية للاتصال المصرفي.
أما الذكاء الاصطناعي، فيتطلب وقتًا لتجهيزه وتدريب الكوادر المصرفية عليه، مع ضرورة وجود تشريعات تلزم البنوك بإعادة تدريب الموظفين بدلًا من استبدالهم مباشرة بعمالة جديدة متمكنة من التقنية.
وفي ظل هذه التحديات، يرى الخبراء أن التحول التدريجي خطوة بخطوة هو الطريق الأمثل نحو بناء اقتصاد قائم على الحلول الرقمية، ويبقى السؤال: هل يستطيع القطاع المالي، بالتعاون بين القطاعين العام والخاص، أن يحقق هذا المستقبل المنشود؟



