قررت باكستان، يوم الثلاثاء، السعي لإعادة التفاوض على اتفاق استيراد الغاز الطبيعي المسال (LNG) بعد تباطؤ النشاط الصناعي وانخفاض الطلب على الكهرباء، ما أدى إلى فائض يزيد على 50 شحنة خلال العام والنصف المقبلين فقط
وينتهي الاتفاق في عام 2031، وهو ما ترك صانعي السياسات أمام خيارين: إما إبقاء منشآت الإنتاج المحلية الأرخص البالغة طاقتها 400 مليون قدم مكعب يومياً متوقفة، مع تحويل الغاز المستورد الأغلى سعراً إلى الاستخدام المنزلي المدعوم، أو السعي لإعادة التفاوض على الاتفاق
وقد سمحت لجنة التنسيق الاقتصادي (ECC) في مجلس الوزراء لوزارة البترول بالتواصل مع قطر لإعادة التفاوض بشأن حجم الواردات لتقليل تحويل الغاز المستورد إلى المستهلكين المنزليين، والاكتفاء بالاستيراد حسب الحاجة، وفقاً لمصادر حضرت الاجتماع المغلق للجنة
ومن المتوقع أن يسافر وزير البترول، علي برويز مالك، إلى قطر، إذ لا تزال السلطات الباكستانية غير متأكدة مما إذا كانت الدوحة ستوافق على إعادة فتح ملف أحجام الواردات، بحسب المصادر
وبناءً على التقديرات الرسمية، سيكون هناك ما لا يقل عن 51 شحنة فائضة بقيمة تتراوح بين 1.2 و1.5 مليار دولار من يوليو هذا العام وحتى ديسمبر 2026، وفقاً للمصادر
ومنذ توليه المنصب في مارس الماضي، ظل الوزير مالك يدعو إلى أن تلتزم وزارة الطاقة باستلام الحصة المقررة لها من الغاز المستورد البالغة 600 مليون قدم مكعب يومياً، وإلا فلن يبقى هناك خيار سوى إعادة التفاوض
وجاء في بيان مقتضب لوزارة المالية بهذا الخصوص أن “اللجنة استعرضت الوضع العام لإمدادات الغاز في البلاد، ووجهت وزارة البترول لاتخاذ التدابير الفعالة للحد من الخسائر في القطاع وضمان الكفاءة التشغيلية”
وأفادت المصادر أن أمام الحكومة ثلاثة خيارات للتعامل مع الفائض: الأول، مطالبة قطر بتقليص عدد الشحنات الشهرية إلى نحو 6 أو 7 بدلاً من 9 حالياً. والثاني، طلب تمديد فترة انتهاء العقد مع تأجيل استلام الشحنات الفائضة إلى ما بعد عام 2031. أما الخيار الثالث فهو تفعيل بند “أضرار عدم الأداء” (NPD) الوارد في العقد، والذي يسمح لقطر ببيع الغاز لطرف ثالث وتحميل باكستان الفرق في حال بيع الغاز بسعر أقل من سعر العقد
وتلزم الاتفاقية باكستان بدفع ثمن الكميات المتعاقد عليها حتى في حال عدم استهلاكها، مع مرونة محدودة تسمح بتعديل الاستلام حتى 3 شحنات في السنة
ويتكون اتفاق الغاز بين باكستان وقطر من اتفاقيتين رئيسيتين وُقّعتا في عامي 2016 و2021 لتلبية احتياجات الطاقة الباكستانية عبر عقود طويلة الأمد
وبحسب المصادر، سيتاح لباكستان فرصة لإنهاء الاتفاق في عام 2026 إذا لم يتفق الطرفان على سعر جديد للغاز. إذ ينص اتفاق 2016 على إمكانية الإنهاء بعد 11 عاماً، أي في 2027، في حال فشل مفاوضات الأسعار في 2026. بينما يسمح اتفاق 2021 بمراجعة كل 4 سنوات اعتباراً من 2026، لكنه ينتهي في 2031 ما لم يُعاد التفاوض أو يُنهى مبكراً
ويتيح الاتفاق الممتد 15 عاماً لباكستان استيراد ما يصل إلى 3.75 مليون طن سنوياً (MTPA) من الغاز الطبيعي المسال. وقد تم توقيع اتفاق 2016 على أساس 13.37% من سعر خام برنت، حيث تمثل كل شحنة نحو 100 مليون قدم مكعب يومياً، بإجمالي 500 مليون قدم مكعب يومياً
أما اتفاق 2021 ومدته 10 سنوات، فيتيح استيراد ما يصل إلى 3 ملايين طن سنوياً بسعر أقل من اتفاق 2016، حيث تم التوقيع عليه بنسبة 10.2% من سعر برنت، أي أقل بـ31% من سعر اتفاق 2016
وقد أجّلت باكستان بالفعل خمس شحنات من اتفاق 2016 إلى عام 2026 دون أي غرامات مالية
ونتيجة لتباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض الطلب على الكهرباء من الشبكة الوطنية، بالإضافة إلى الأسعار المرتفعة وغير الميسورة، لم تكن الحكومة تُشغل محطات الكهرباء العاملة بالغاز المستورد بشكل كامل، وهو أحد أسباب تراكم الفائض
وبسبب السعر المرتفع للغاز المستورد، الذي يبلغ نحو 3,500 روبية لكل وحدة حرارية بريطانية (mmbtu)، لا تستطيع الحكومة تحويله إلى المنازل دون تكبد خسائر كبيرة
وكان الغاز الطبيعي المسال يُستورد أساساً لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء، بينما كان الفائض يذهب إلى الصناعة. غير أن عقود بيع الغاز للمصانع لم تواكب الشروط الصارمة لعقود الاستيراد، إذ تم تحديد الحد الأدنى للاستلام عند 66% ثم تخفيضه إلى 50% اعتباراً من يناير الماضي
وبمرور الوقت، انخفضت حاجة قطاع الطاقة إلى الغاز الطبيعي المسال بسبب توفر بدائل أخرى لتوليد الكهرباء، إلى جانب انخفاض استهلاك محطات الطاقة الخاصة نتيجة فرض رسوم الانتقال إلى الشبكة، مما أدى إلى تفاقم الفائض
وأشارت مصادر إلى أن شركة الغاز (SNGPL) قدّرت وجود فائض بنحو 11 شحنة خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2025، وحوالي 40 شحنة خلال عام 2026، استناداً إلى التوقعات بانخفاض الطلب من قطاع الكهرباء والصناعة
ويعني ذلك فاتورة استيراد غير ضرورية تتراوح بين 1.2 و1.5 مليار دولار لبلد يعتمد احتياطيه الأجنبي بالكامل تقريباً على القروض.
وأضافت المصادر أن شركة الغاز تضطر إلى تحويل الغاز المستورد باهظ الثمن إلى القطاع المنزلي، ما يدفعها إلى خفض إنتاج الحقول المحلية بمقدار يتراوح بين 250 و400 مليون قدم مكعب يومياً للحفاظ على توازن الضغط في الشبكة، وهو ما أثر سلباً على إيرادات شركات الاستكشاف والإنتاج، وكذلك على إنتاج المكثفات والغاز النفطي المسال والنفط الخام
ووفقاً لهيئة تنظيم النفط والغاز (OGRA)، بلغت تكلفة تحويل الغاز المستورد إلى القطاع المنزلي نحو 242 مليار روبية مقابل 24 شحنة، ما أدى إلى رفع أسعار الغاز للمستهلكين
ولم يتبق أمام باكستان سوى خيار مطالبة “البلد الشقيق” قطر بمراجعة الاتفاق في ضوء هذه المستجدات، بحسب المصادر



