دعت باكستان، يوم الإثنين، المجتمع الدولي إلى “التحدث بصوت واحد” من أجل مساءلة طالبان عن التزاماتها، بما في ذلك عدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد أي دولة، وضمان تحقيق الهدف المشترك المتمثل في أفغانستان مستقرة ومزدهرة وخالية من الإرهاب.
وقال السفير عاصم افتخار أحمد، الممثل الدائم لباكستان لدى الأمم المتحدة، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: “ما زلنا نشهد محاولات من إرهابيي حركة طالبان باكستان (TTP) للتسلل إلى داخل باكستان من أفغانستان”.
وقد تبنّت الجمعية العامة قرارًا يدعو طالبان إلى احترام حقوق الإنسان، والامتثال للقانون الدولي، واتخاذ إجراءات حاسمة ضد الإرهاب، وسط أزمة إنسانية متفاقمة.
وقال السفير الباكستاني في مداخلته خلال مناقشة الوضع في أفغانستان: “لدينا أيضًا أدلة موثوقة على وجود تعاون بين حركة طالبان باكستان ومجموعات أخرى مثل جيش تحرير بلوشستان (BLA) ولواء ماجد التابع له، تهدف إلى تخريب البنية التحتية الاستراتيجية ومشاريع التنمية الاقتصادية في باكستان”.
وبموجب القرار، أعربت الجمعية العامة، المؤلفة من 193 عضواً، عن “قلقها البالغ” إزاء استمرار العنف ووجود جماعات إرهابية مثل القاعدة، وداعش، وفروعها بما في ذلك داعش-خراسان وحركة طالبان باكستان، و”طالبت” بعدم استخدام أفغانستان كملاذ آمن للنشاطات الإرهابية.
وقد تم تبني القرار بـ116 صوتاً مؤيداً، وامتناع 12 دولة، وصوتين معارضين (إسرائيل والولايات المتحدة). وأبرز القرار الأزمات المتعددة التي تواجه أفغانستان بعد نحو أربع سنوات من عودة طالبان إلى السلطة، ودعا إلى مزيد من الدعم الدولي للشعب الأفغاني ودفع متجدد لتحقيق السلام والاستقرار. وصوتت باكستان لصالح القرار، في حين امتنعت الهند عن التصويت.
وشدد القرار على الحاجة إلى نهج منسق بين الفاعلين الإنسانيين والسياسيين والإنمائيين، وأعرب عن قلقه من “القمع الخطير والمتفاقم والواسع النطاق والمنهجي” لجميع النساء والفتيات في أفغانستان، داعياً طالبان إلى التراجع السريع عن السياسات التي تستبعدهن من التعليم والعمل والحياة العامة.
وفي تصريحاته، قال السفير عاصم افتخار إن القتال في أفغانستان قد انتهى بعد أربعة عقود، إلا أن هناك شعوراً مستمراً باليأس والخوف. وأضاف: “ما زال الشعب الأفغاني يعاني – من العقوبات crippling، ونظام مصرفي معطل، وأزمة سيولة، والفقر، وتراجع المساعدات الإنسانية، والإرهاب، والمخدرات، والانتهاكات الحقوقية”.
وتابع قائلاً: “للأسف، ما زالت الأراضي الأفغانية تُستخدم من قبل إرهابيين، وغالباً من قبل وكلاء، ضد دول أخرى، لا سيما باكستان”.
وأكد السفير دعم باكستان للجهود التي تقودها الأمم المتحدة، مثل عملية الدوحة، لإقامة تواصل منظم مع السلطات الفعلية في أفغانستان، قائلاً إن “إطاراً شاملاً ومتكاملاً مطلوب على وجه السرعة – يعالج جميع القضايا بطريقة متوازنة ويأخذ في الاعتبار المخاوف الإقليمية”، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تكون لتجنب كارثة إنسانية.
وأشار إلى أن خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية لعام 2025 تعاني من نقص حاد في التمويل، إذ تم تأمين 15.7% فقط من أصل 2.42 مليار دولار مطلوبة، داعياً المجتمع الدولي إلى تمويل الخطة بالكامل.
وأوضح أن باكستان استضافت ملايين الأفغان على مدار عقود، ومنذ أغسطس 2021، عبر مليون شخص إضافي بدون وثائق إلى البلاد، مما أدى إلى مشكلات من بينها اضطرابات أمنية، وقال: “ينبغي للمجتمع الدولي أن يتحمل هذا العبء بشكل أكثر إنصافاً”.
ودعا السفير أيضاً إلى إحياء الاقتصاد والنظام المصرفي الأفغاني، بما في ذلك الإفراج عن الأصول المالية المجمدة لدى الولايات المتحدة، وتمكين التجارة والاستثمار. وأكد التزام باكستان بتوسيع التجارة والمضي في مبادرات الربط الإقليمي مثل مشروع TAPI، وCASA-1000، وسكة حديد أوزبكستان-أفغانستان-باكستان، وتمديد ممر الصين-باكستان الاقتصادي (CPEC) إلى أفغانستان.
وأضاف: “يجب أن نعترف بأن هناك سلطة واحدة تتحكم في أراضي أفغانستان دون أي تحدٍ فعلي لها. ويجب تجنب أي إجراءات قد تشعل صراعاً جديداً في أفغانستان، قد يؤثر على المنطقة بأسرها”، مشيراً إلى أن “علينا منع الجهات المخرّبة – من داخل أو خارج أفغانستان – من إثارة عدم الاستقرار والإرهاب”.
وأكد السفير أن “الإرهاب القادم من أفغانستان يمثل تهديداً خطيراً لجيرانها، لا سيما باكستان”، موضحاً أن تنظيم داعش-خراسان يواصل استهداف السلطات الفعلية، في حين تواصل جماعات إرهابية أخرى، مثل القاعدة، والفتنة الخوارج، وحركة طالبان باكستان، والمجموعات البلوشية المسلحة، العمل من المناطق غير الخاضعة للحكم في أفغانستان.
وقال السفير: “يجب ألا تصبح أفغانستان ملاذاً آمناً للإرهاب ضد أي دولة أخرى”، مضيفاً أن حركة طالبان باكستان، التي تضم حوالي 6,000 مقاتل، هي أكبر جماعة إرهابية مصنفة من الأمم المتحدة تعمل من الأراضي الأفغانية، وتشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الباكستاني.
وأشار إلى أن هناك تجنيداً متبادلاً بين الجماعات الإرهابية المختلفة، بما في ذلك حركة طالبان باكستان وداعش-خراسان، ما يجعل الأخيرة تهديداً ليس فقط لباكستان بل للمنطقة والعالم بأسره
وكشف أن قوات الأمن الباكستانية صادرت كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمعدات المتطورة، كانت قد تُركت في أفغانستان من قبل القوات الدولية، وتُستخدم الآن في تنفيذ هجمات متطورة على باكستان، بما في ذلك في الأسبوعين الماضيين. وقال: “هذه الحوادث تسلط الضوء على مدى وخطورة التهديد الذي نواجهه”، مؤكداً أن باكستان ستواصل اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لضمان أمن وسلامة شعبها
وأضاف أن باكستان تتفق تماماً مع توقعات المجتمع الدولي من السلطات الفعلية في أفغانستان للوفاء بالتزاماتها الدولية، لا سيما ما يتعلق بحقوق النساء وزيادة المشاركة السياسية والاجتماعية، قائلاً: “نشعر بقلق بالغ إزاء استمرار القيود المفروضة على النساء والفتيات، والتي تتعارض مع المعايير الدولية والتقاليد الإسلامية”
وأشار السفير إلى أن باكستان تواصل دعم الأنشطة التعليمية وتوفير الفرص للشباب الأفغاني، حيث يستفيد حالياً 4,500 طالب أفغاني، ثلثهم من الفتيات
وختم بالقول: “ما لم يتحقق بالقوة، لن يتحقق بالعزلة أو العقوبات أو الإكراه المالي”، محذراً من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى تجدد الصراع والعنف وسط تزايد الفقر والجوع، وقد تُحدث موجة جديدة من اللاجئين والنزوح، وهو ما لا تستطيع دول الجوار الأفغاني تحمّله.



