الاقتصادات الكبرى، تلك التي تتهيأ لتصبح من بين الأفضل في العالم، هي التي تعكس ناتجاً محلياً إجمالياً مرتفعاً، وتدفقات هائلة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهيكلًا اقتصادياً ينبئ باتصال عالمي واعتماد متبادل مع الشركاء التجاريين. ومع صعود هذه الاقتصادات إلى القمة، تصبح أكثر عرضة للتغيرات العالمية. فاعتمادها على الاستثمار الأجنبي قد يؤدي إلى انهيار إذا ما توقف هذا الاستثمار فجأة.
في السنوات الأخيرة، شهدنا اقتصادات عملاقة تتأثر بقرارات اتُخذت على بُعد آلاف الأميال. فعندما فرضت الصين حظراً على موظفي الحكومة باستخدام أجهزة آيفون، تعرضت شركة آبل في الولايات المتحدة لهزة غير مسبوقة، حيث انخفضت أسهمها بنسبة وصلت إلى 6%، أي ما يعادل خسارة تُقدّر بـ200 مليار دولار.
وبشكل مماثل، فإن الرسوم الجمركية الشديدة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جعلت المصنعين الصينيين يكافحون للحفاظ على أرباحهم.
قرار واحد خاطئ من اقتصاد عظيم أو اقتصاد واعد قد يؤدي إلى نتائج كارثية على النظام الاقتصادي بأكمله ورؤيته المستقبلية.
عندما هاجمت روسيا أوكرانيا، فرض الغرب عليها عقوبات أدت إلى شلل اقتصادي كبير. وعلى الرغم من أن روسيا تمكنت من الصمود أمام هذه العقوبات، فإن ليس كل دولة تملك القدرة ذاتها على التعافي.
من الصعب تصديق أن حكومة في اقتصاد تريليوني يمكن أن تخاطر بكل هذا من خلال قرار متهور، خاصة إذا تعلق الأمر بمهاجمة دولة مسلحة نووياً وتوقع ألا تتصاعد الأمور.
في السابع من مايو، قرر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وحكومته تنفيذ غارات جوية على الأراضي الباكستانية. سؤالي للحكومة الهندية: بأي منطق اتخذتم هذا القرار المؤسف؟
إن إدانة مأساة بَهَلْغَام والتعهد بالرد أمر مفهوم، لكن شن هجمات على أراضي دولة أخرى بناءً على اتهامات دون دليل قوي هو أمر مختلف تمامًا.
هذا يعكس بوضوح السيكولوجية الجديدة لحزب بهاراتيا جاناتا (BJP): فكرة يُحتمل أنها مستوحاة من دول مثل إسرائيل وروسيا، حيث يُنظر إلى مهاجمة دولة أصغر على أنه وسيلة سهلة لفرض الهيمنة وإظهار القوة في المنطقة.
إذا كان هذا صحيحًا، فلا يوجد منطق يمكن أن يجعل حكومة BJP تستهين بباكستان، فهي ليست كغزة التي يمكن إخضاعها بسهولة، ولا كأوكرانيا التي تتجه إلى حلفائها طلبًا للمساعدة.
القوى الخارجية خارج جنوب آسيا على دراية تامة بقدرات باكستان. جيشها وسلاحها الجوي يُعتبران من الأقوى، إن لم يكن الأقوى على الإطلاق.
الولايات المتحدة تعرف تمامًا كيف حاربت القوات الباكستانية ضد السوفييت في أفغانستان. وتاريخها في القتال ضد الهند دليل على أنها لا تخشى مواجهة عدو يفوقها حجمًا بخمس مرات.
والأهم من ذلك: الأسلحة النووية. فباكستان تمتلك تقريبًا نفس القدرات النووية التي تمتلكها الهند. فكيف يمكن اتخاذ قرار خطير كهذا؟!
من الواضح أن الهند، بصفتها الاقتصاد الأكبر، كان لديها الكثير لتخسره في حال اندلاع حرب شاملة مع باكستان. لقد استثمر بها المليارديرات؛ والغرب يرى فيها بديلًا جديدًا للصين وينقل إليها صناعاته. وصناعة السياحة فيها تشهد ازدهارًا.
ماذا كان يظن مودي؟ أن باكستان، الدولة النووية والجارة العدوة، ستلتزم الصمت؟ ربما كان هذا ما ظنه عندما شنت الطائرات الهندية ضرباتها.
لكن المعادلة انقلبت عندما ردت باكستان. فقد اهتز الإعلام الدولي عندما لم تكتفِ باكستان بالرد اللفظي بل شنت هجمات صاروخية وجوية قوية استهدفت عدة قواعد هندية.
الاقتصاد الهندي الصاعد تأثر خلال هذه الأيام القليلة. البطولة الرياضية الكبرى IPL تأجلت، وتم إغلاق 27 إلى 30 مطارًا هنديًا مع تصاعد التوترات. من وجهة نظري، لم تكن الهند تتوقع ردًا بهذا الحجم.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي استهان في البداية بالموقف، اضطر للتدخل وفرض وقف إطلاق نار فوري.
ومن وجهة نظري، لم يكن الهدف من وقف إطلاق النار إنقاذ باكستان، بل حماية الهند. أسوأ ما يمكن أن تتورط فيه دولة نامية بقوة هو حرب مع دولة قوية أخرى.
مع وجود صفقات تجارية ضخمة، وبنية تحتية متطورة، واستثمارات أجنبية مباشرة من بعض أكبر الشركات في العالم، فإن لدى الهند الكثير لتخسره في أي صراع.
معركة جوية، تُعتبر من أعنف المعارك منذ الحرب العالمية الثانية، دارت بين الطائرات الباكستانية والهندية.
وكانت الضربة الأولى للهند هي إسقاط خمس طائرات مقاتلة في ليلة واحدة – اثنتان أو ثلاث منها كانت من طراز رافال الفرنسية والتي اشترتها الهند عام 2016 بمبلغ 9 مليارات دولار.
وقد أكدت الأنباء أن هذه الطائرات أُسقطت بواسطة مقاتلات J-10C الصينية التي تشغلها القوات الجوية الباكستانية.
هذا الخبر أدى إلى انخفاض قيمة سهم شركة Dassault Aviation الفرنسية من 373.8 دولار إلى 362.05 دولار بحسب TRT Global. بينما احتفلت الصين بنجاح طائرتها المقاتلة J-10C، ووصفت صحيفة South China Morning Post هذا الانتصار بـ “لحظة ديب سيك” للطائرة. أما Financial Times، فقد ذكرت أن أسهم الشركة المصنعة للطائرة ارتفعت بأكثر من 40% خلال يومين فقط.
وقد تعرضت حكومة مودي لضغوط شديدة. من المؤكد أن رجال الأعمال الكبار تواصلوا مع رئيس الوزراء الهندي وأعربوا عن قلقهم البالغ. وأكدت CNN أن الرد الباكستاني العنيف دفع الهند لطلب وسطاء.
قرار متهور واحد، نابع من الكبرياء والطمع، كاد أن يجر الهند إلى حرب شاملة، ويهدر مواردها، وقد يضر بنموها الاقتصادي أكثر بكثير مما قد يحدث لباكستان.
من وجهة نظر باكستان، فإن الدفاع عن النفس وحماية السيادة يمكن أن يدفع أي أمة لتجاوز حدودها.
إن محاولة الحكومة الهندية تقليد حلفائها الجدد مثل إسرائيل، التي تقصف غزة منذ أكثر من عام، لم تؤتِ ثمارها، بل كشفت فشلًا ذريعًا، وتطرح تساؤلات حول قيادة مودي وقراراته التي قد تقود البلاد إلى الحرب.
عندما ردت باكستان بضرب قواعد جوية هندية كبرى، بل وأطلقت طائرات بدون طيار هجومية وصلت حتى العاصمة نيودلهي، أصبح واضحًا للهنديين أنهم ارتكبوا خطأ فادحًا. فقد استهان مودي بباكستان، وأصبح الآن يواجه خطر انهيار اقتصادي.
فقط بتدخل الولايات المتحدة، تمكنت الهند من تأمين موقفها واستقرار اقتصادها البالغ 3.5 تريليون دولار.
إذا أرادت الهند حقًا أن تحقق النمو الاقتصادي الذي وعدت به شعبها، فعليها أن تتخذ قرارات ذكية، وتتبنى نهجًا عقلانيًا، وتقدم الأدلة قبل أن تتصرف، وتتوقف عن محاولة فرض الهيمنة على جيرانها، فقد دفعت الآن ثمنًا باهظًا.
يجب على مودي أن يتخلى عن عقلية “البلطجة” في جنوب آسيا، وأن يفهم أن باكستان ليست خصمًا يمكن تجاهله.



