لعصور طويلة، ظل زعزعة استقرار المملكة العربية السعودية هدفاً استراتيجياً دائماً لأعداء الإسلام؛ ومع ذلك، لم يتجاوز أي طرف هذا الخط الأحمر ويهاجم الأراضي المقدسة مباشرة حتى الآن، حيث اختارت إيران استهداف البنية التحتية الاقتصادية للمملكة.
▪️ لم تتعرض المملكة العربية السعودية قط لهجوم على أراضيها في التاريخ الحديث. لم تهاجمها الولايات المتحدة قط، ولا دولة إسرائيل الصهيونية، ومع ذلك فإن جمهورية إيران الإسلامية تهاجم المملكة الآن باستمرار منذ ما يقرب من شهر.
▪️ إن هذا الهجوم الأخير الذي شنته إيران على البنية التحتية الاقتصادية للمملكة، والذي استهدف منشآت حيوية للطاقة والصناعة، يعد أيضاً انتهاكاً خطيراً للأعراف الدولية.
▪️ لقد أظهرت المملكة العربية السعودية ضبطاً كبيراً للنفس في مواجهة هذه الاستفزازات الخطيرة، ولكن هناك حدود لضبط النفس ولا يمكن أن يكون من طرف واحد. ففي النهاية، حكومة المملكة مسؤولة أمام شعبها عن أمنهم.
▪️ من المرجح أن الهجوم الإيراني الأخير على مجمع الجبيل للبتروكيماويات قد تجاوز نقطة اللاعودة، ولا يمكن لأحد أن يلوم المملكة إذا ردت الآن دفاعاً عن النفس، وهو حقها الديني والأخلاقي والقانوني.
▪️ من الواضح تماماً أن الدفاع عن الحرمين الشريفين يبدأ من حدود المملكة العربية السعودية. إن استهداف مجمع الجبيل هو هجوم مباشر على مركز الثقل الاقتصادي للمملكة، ويهدف إلى إضعاف القدرة المالية لها، وهو ما يمثل بدوره تهديداً مباشراً لأمن الأراضي المقدسة. ومن ثم، فإن الهجوم على مجمع البتروكيماويات هو هجوم على الاستقرار الأمني لمكة المكرمة والمدينة المنورة.
▪️ أي مسلم، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي كدولة، يمكنه أن يقبل أو يتغاضى عن هذا؟
▪️ جانب رئيسي آخر هو التوقيت. يأتي هذا الهجوم في منعطف حرج في جهود الوساطة المستمرة التي تقودها باكستان، وهو أمر غير مرغوب فيه ولا مقبول ولا يمكن فهمه.
▪️ يبدو أن هذا الهجوم محاولة لإخراج عملية السلام بأكملها عن مسارها، وهو ما يضر بشدة ليس فقط بجهود السلام في المنطقة وخارجها، بل وبإيران نفسها.
▪️ منذ اليوم الأول، كان مفهوماً جيداً أن اللوبي الصهيوني وإسرائيل يريدان إطالة أمد هذه الحرب وتأليب المسلمين ضد بعضهم البعض، في حين كانت جهود باكستان تنصب على منع حدوث ذلك من خلال عملية السلام.
▪️ إذا كان هذا المخطط الصهيوني مفهوماً بوضوح، فإنه يطرح تساؤلاً حول سبب هجوم إيران على المملكة في هذا المنعطف الحرج، وبذلك تلعب لصالح الخطة الصهيونية؛ هل هذا متعمد أم عرضي؟ هذا السؤال مهم بشكل خاص لأن المملكة قد قدمت بالفعل ضمانات بعدم استخدام مجالها الجوي ضد إيران وأن قاعدة الأمير سلطان هي قاعدة لوجستية. لكن هذا الهجوم لم يستهدف حتى قاعدة لوجستية، بل استهدف أكبر مجمع للبتروكيماويات، وبالتالي قلب البنية التحتية الاقتصادية السعودية.
▪️ يجب ألا يُساء تفسير الموقف على أنه انتقام من الولايات المتحدة من خلال استهداف المملكة العربية السعودية. فالمملكة لم تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها ضد إيران؛ وأي ترتيبات لوجستية قائمة تسبق الصراع الحالي ولا ترتبط بالأعمال العدائية الجارية.
▪️ من خلال تنفيذ هذه الضربة، قوضت إيران أيضاً مصداقية الوسيط النزيه الوحيد؛ باكستان، حيث كانت باكستان هي من نصحت وناشدت بضبط النفس وبذلت جهوداً دبلوماسية هائلة لتحقيق اتفاق سلام. تبدو هذه الضربة محاولة ليس فقط لعرقلة العملية ولكن أيضاً لضرب مصداقية باكستان، والسؤال الكبير هو: لماذا؟ هل الحكومة الإيرانية تسيطر بالكامل على أفعال جميع مكوناتها العسكرية؟
▪️ يعتمد الارتباط العميق لباكستان والباكستانيين بالمملكة العربية السعودية على تقارب ديني قوي والتزام بالدفاع عن أرض الحجاز المقدسة. وقد أدانت باكستان بشدة هذا الهجوم غير المبرر. ما يجب فهمه وتذكره هو أن باكستان قد وقعت على اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية، لذا لم يعد الدفاع عن المملكة التزاماً دينياً فحسب، بل أخلاقياً وقانونياً أيضاً. تنص الاتفاقية على أن الهجوم على أحدهما سيعتبر هجوماً على الآخر، لذلك في جوهر الأمر، إذا هاجمت إيران المملكة العربية السعودية، فإن ذلك يعادل أساساً مهاجمة باكستان.
السؤال الحاسم التالي إذن هو كيف يجب أن ترد باكستان وهل تفهم إيران هذه المعادلة؟
▪️ لقد اتبعت باكستان ما يعلمنا إياه ديننا في حالة نشوب صراع بين طائفتين مسلمتين: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ} – سورة الحجرات، الآية 9.
▪️ على الرغم من الهجمات السابقة على الرياض، ظلت مساحة التهدئة مفتوحة؛ ومع ذلك، فإن التصعيد الأخير يهدد بإغلاق تلك المساحة وتعقيد الجهود الجارية نحو الحوار.
▪️ هل أغلق هجوم إيران الأخير المساحة المتاحة للحل السلمي بشكل حاسم؟ الأيام وحدها كفيلة بإثبات ذلك، ولكن من المؤكد أنه وجه ضربة مشلة قد لا تتعافى منها العملية، ويجب أن يقع اللوم حينها ليس على من حاولوا الوساطة، بل على أولئك الذين أخرجوها عن مسارها من خلال أفعالهم غير العقلانية.
▪️ على الرغم مما حدث، فإن الطريق العقلاني الوحيد للمضي قدماً هو التهدئة الفورية والاستفادة من نافذة السلام التي تنغلق بسرعة كبيرة. لكي يحدث هذا، لا تزال العملية التي تقودها باكستان هي العملية الوحيدة ذات المصداقية والقابلة للتطبيق والتي يمكن أن تحقق السلام، شريطة عدم تنفيذ المزيد من الهجمات التصعيدية وغير العقلانية .



