الصين تراهن على “القوى الإنتاجية الجديدة”: الابتكار التقني سلاحاً في مواجهة الضغوط الجيوسياسية

تعهدت الصين يوم الخميس بتعميق الاستثمار في الصناعات عالية التقنية والابتكار العلمي، معتبرة إياها ركائز أساسية لتعزيز الأمن القومي والاعتماد على الذات وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية واحتدام التنافس مع الولايات المتحدة.

وفي افتتاح الاجتماع السنوي للبرلمان، أشاد رئيس الوزراء لي تشانغ بقدرة الصين على الصمود أمام الزيادات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنه صرح بأن “التعددية والتجارة الحرة تواجهان تهديداً خطيراً”، معلناً عن زيادة بنسبة 7% في ميزانية الدفاع وفي قطاع البحث والتطوير.

وأقر “لي” بوجود خلل “حاد” بين العرض القوي والطلب الضعيف، وتراجع توقعات السوق، والمخاطر المستمرة الناجمة عن الهبوط المتواصل في قطاع العقارات والديون المرتفعة للحكومات المحلية. ودعت هذه التحديات بكين إلى تحديد هدف نمو أقل قليلاً يتراوح بين 4.5% و5% لهذا العام، انخفاضاً من 5% العام الماضي، وهو الهدف الذي تحقق إلى حد كبير بفضل قفزة بنسبة الخمس في فائضها التجاري ليصل إلى رقم قياسي قدره 1.2 تريليون دولار.

وتعهدت الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، كما كان متوقعاً على نطاق واسع، باستثمارات في الابتكار والارتقاء الصناعي، فضلاً عن زيادة “ملحوظة” – وإن لم تكن محددة – في استهلاك الأسر كحصة من الناتج الاقتصادي. ويؤكد الجمع بين هدف نمو أقل وزيادة الإنفاق على الأبحاث والصناعات الاستراتيجية مراهنة بكين على أن الترقية التكنولوجية – وليس الاستهلاك – هي التي ستقود المرحلة التالية من التنمية رغم الضغوط الهيكلية المتزايدة.

كما أظهرت الضربات التجارية العام الماضي مع إدارة ترامب، والتي تصاعدت لفترة وجيزة إلى ظروف شبيهة بالحظر مع تعريفات جمركية من ثلاث خانات، أهمية هيمنة الصين على سلاسل التوريد كأداة ضغط. وقال فريد نيومان، كبير اقتصاديي آسيا في بنك “HSBC”: “لا تزال الحكومة الصينية تركز بشكل مكثف على تحفيز الاختراقات التكنولوجية والاستثمار عالي التقنية، وهذا مدفوع جزئياً بالمنافسة مع الولايات المتحدة للسيطرة على تكنولوجيات المستقبل”. وأضاف: “لذلك، قد يشعر العديد من المراقبين الدوليين بخيبة أمل بسبب التقدم البطيء في إعادة توازن الاقتصاد بعيداً عن الاستثمار وباتجاه الاستهلاك”.

تستثمر الصين ما يزيد بـ 20 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي عن المتوسط العالمي، بينما تنفق أسرها أقل بحوالي 20 نقطة – وهو نموذج تنموي تقوده الدولة والديون، مما يخلق فائضاً في القدرة الصناعية ويغذي التوترات التجارية في الخارج والضغوط الانكماشية في الداخل. وأضاف نيومان: “تحدي إعادة التوازن الذي تواجهه الصين، والذي سيستغرق سنوات لتحقيقه، يتم الاعتراف به ضمنياً من خلال هدف النمو الأضعف للعام المقبل”.

تهدف الخطة الخمسية إلى رفع القيمة المضافة لـ “صناعات الاقتصاد الرقمي الأساسية” إلى 12.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وإطلاق سياسات جديدة لسوق بيانات وطني متكامل وإنشاء نظام لمنع مخاطر أمن الذكاء الاصطناعي. وتعكس هذه الأهداف رؤية الرئيس شي جين بينغ لتطوير “قوى إنتاجية جديدة” للهروب من فخ الدخل المتوسط، ومواجهة التراجع الديموغرافي، وتعزيز الأمن القومي من خلال عزل الصين عن ضوابط التصدير الأمريكية.

كما تعهدت الصين بدعم تطورات “اختراقية” عبر مجموعة من الصناعات، من بذور المزارع والطب الحيوي إلى مجالات في طليعة العلوم مثل واجهات الدماغ والحاسوب. وحُثت الشركات المملوكة للدولة على خلق طلب على التكنولوجيا المصنوعة في الصين مثل أشباه الموصلات والطائرات بدون طيار.

لكن الخطة الخمسية تسرد أيضاً طموحات جديدة في مجالات تهيمن عليها الصين بالفعل؛ فبينما تمتلك 85% من محطات شحن المركبات الكهربائية في العالم، تهدف الصين إلى مضاعفة عددها في غضون ثلاث سنوات. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، وعدت بكين ببناء مجموعات حوسبة “فائقة الحجم” مدعومة بكهرباء رخيصة ووفيرة.

وقال آندي جي، محلل العملات والأسعار الآسيوية في “ITC Markets”: “تحاول بكين إدارة ‘هبوط محكوم’ في النمو مع بناء اقتصاد جديد قائم على التكنولوجيا بدلاً من العقارات. إنها عملية إعادة توازن عالية المخاطر حيث تراهن الحكومة بكل ما تملك على الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم”.

خطط تحفيز ثابتة

يقول الاقتصاديون إن هدف النمو المنخفض يسمح لبكين بالتجربة في تعديلات الفائض في القدرة الصناعية، مما قد يؤدي إلى إغلاق بعض المصانع وفقدان وظائف، لكنهم حذروا من أن هذا لا يعني الابتعاد عن نموذج النمو الذي يركز على الإنتاج. ويبشر قرار المحكمة العليا الأمريكية بإسقاط بعض تعريفات ترامب، والتوقعات بأن لقاءً بين رئيسي البلدين في وقت لاحق من شهر مارس قد يؤدي إلى استقرار العلاقات على المدى القصير، بالخير لمثل هذه التعديلات.

وقالت دان وانغ، مديرة الصين في مجموعة أوراسيا: “السياق الأكبر هنا هو التنافس الصيني الأمريكي، لكن هذا العام هو عام الهدنة التجارية. يبدو أن الصين تستغل هذا العام لإجراء بعض الإصلاحات الهيكلية، وهو الاتجاه الصحيح للاقتصاد على المدى الطويل، ولكنه يعني أيضاً أن ضغوط سوق العمل ستكون أعلى بكثير في المدى القصير”.

فيما يتعلق بالتحفيز، تخطط الصين لعجز في الميزانية بنسبة 4.0% من الناتج المحلي الإجمالي، وحددت حصصاً خاصة لإصدار الديون بقيمة 1.3 تريليون يوان (188.5 مليار دولار) للحكومة المركزية و4.4 تريليون يوان للسلطات المحلية – وهي أرقام لم تتغير عن العام الماضي.

وتعهدت الصين برفع الحد الأدنى للمعاشات الشهرية بمقدار 20 يواناً للشخص الواحد، ودعم التأمين الطبي الأساسي لسكان الريف وغير العاملين بمقدار 24 يواناً – وهي تحركات هامشية وليست هيكلية. وقالت إنها تريد زيادة الإنفاق على التعليم، ودعم رعاية الأطفال، وإصلاح المستشفيات العامة، مقرةً بالتراجع الديموغرافي.

وحذر يوان يووي، مدير الصناديق في شركة “Trinity Synergy Investment”، من أن أهداف النمو والسياسة الصينية لهذا العام، والتي أُعدت في نهاية عام 2025، لا تأخذ في الاعتبار الهجمات الأمريكية الإسرائيلية في إيران. وقال يوان: “هذا سلبي للغاية بالنسبة للصين، التي تعتبر مضيق هرمز طريقاً تجارياً حيوياً”.

($1 = 6.8969 يوان صيني)