لم تنم عاصمة الإقليم ليلة الخميس وهي تستقبل مهرجان «بَسَنت»، إذ شقّت الألعاب النارية سماء الليل بعد منتصفه، وارتفعت الطائرات الورقية من فوق أسطح المنازل، بينما انسابت الموسيقى في أرجاء المدينة المسوّرة وما حولها، في مدينة طالما عُرفت بأنها موطن «الباتانغ باز» — عشّاق الطائرات الورقية بالفطرة — إيذاناً بعودة المهرجان بعد غياب استمر لما يقرب من عقدين.
وفي ميدان ليبرتي تشوك، تجمّعت الحشود في حالة ترقّب مكبوت، قبل أن تنفجر بالهتاف مع انطلاق الاحتفالات رسمياً.
ومع بدء المهرجان الذي يستمر ثلاثة أيام اليوم (6 فبراير)، دخلت لاهور بالكامل في أجواء الفرح، حيث ازدانت سماؤها بالطائرات الورقية المحلّقة، واكتست شوارعها بالألوان والتوقّع، في ظل تنظيم أمني مشدّد.
وتلألأت التقاطعات الرئيسية والأنفاق والأماكن العامة بالزينة والمجسّمات الضخمة للطائرات الورقية، فيما بدت أسطح المنازل في عمق المدينة القديمة عامرة بالاستعدادات والوعود بالبهجة.
وكتبت رئيسة وزراء إقليم البنجاب، مريم نواز، على وسائل التواصل الاجتماعي مع دقّات منتصف الليل:
«هذه الألوان المتناثرة في سماء لاهور تعكس حيويتنا وثقافتنا العريقة. بَسَنت ليس مجرد مهرجان، بل جزء من تقاليد البنجاب. أتمنى للمواطنين يوماً مليئاً بالفرح والاحتفال».
وظلّت الأسواق المرتبطة تقليدياً بمهرجان بَسَنت — مثل بوابة موتشي، بوابة دلهي، سوق شاه عالم، وأناركلي — مكتظّة حتى وقت متأخر من الليل، حيث أقبل المشترون على شراء الطائرات الورقية وبكرات الخيوط والأضواء والزينة الاحتفالية.
وقال التجار إن الحماس تصاعد تدريجياً؛ فبعد فضول حذر في الأول من فبراير، تحوّل إلى اندفاع غير مسبوق حين أدرك الناس أن عودة المهرجان حقيقية.
وبرز ميدان ليبرتي تشوك كمركز رمزي للاحتفالات، بعد أن تحوّل إلى ساحة احتفال مدني مزدانة بالطائرات الورقية العملاقة والأضواء. وتجمّعت العائلات والأزواج الشباب ومجموعات الأصدقاء للمشاركة في الأجواء.
ويؤكد المتحمسون أن التحوّل الجوهري هذه المرة هو أن بَسَنت لم يعد يُحتفل به سراً أو همساً، بل عاد بموافقة رسمية وبشكل علني وواثق.
وقال أحد سكان جوهر تاون: «الفرح عاد بإذنٍ رسمي. الناس يريدون أن يؤمنوا بالخير، وعلى الرغم من غلاء الأسعار، لم يتردد أهل لاهور في المشاركة. على الأقل، هناك ترفيه الآن».
وبالمثل، لم يعد بَسَنت مقتصراً على أسطح المنازل، بل عاد إلى الحياة العامة.
وتعزّز هذا الشعور بالانفتاح عندما قامت مريم نواز شريف بزيارة مفاجئة إلى ميدان ليبرتي تشوك ثم إلى بوابة موتشي، حيث نزلت إلى قلب الحشود وتفاعلت مباشرة مع المواطنين. وتحدثت مع السكان، والتقطت صور «سيلفي»، وطلبت من عناصر حمايتها الابتعاد لتتمكن من التحرك بحرية بين الناس.
وكان الأطفال، الذين ارتدوا الملابس الصفراء الاحتفالية، محط اهتمام خاص. وشوهدت رئيسة الوزراء وهي تصافح فتاة صغيرة، وتبادل التحيات مع آخرين، وتبارك رضيعاً كان يحمله أحد المواطنين.
وأشاد السكان بأدائها، مشيرين إلى الدلالة السياسية لعودة بَسَنت، فيما عبّر آخرون عن أملهم في أن تمتد هذه المشاهد إلى مدن أخرى.
وخلال الزيارة، تناولت المخاوف المتعلقة بالسلامة عندما أوقفت سائق دراجة نارية لا يضع قضيب الأمان، موضحة أن الإجراء يهدف إلى حماية المواطنين، وأن تركيبه متاح مجاناً في المخيمات المخصصة.
وأكدت أن الدراجات النارية ليست ممنوعة خلال بَسَنت، لكنها حذّرت من مصادرة أي مركبة لا تلتزم بإجراءات السلامة. وقالت: «احتفال أهل لاهور وسعادتهم مصدر رضا لي»، مشيرة إلى أن الفرح عاد إلى المدينة بعد انقطاع طويل.
«بو-كاتا»
تزيّنت الأسطح بالأضواء الملوّنة والرايات والفوانيس المؤقتة، فيما نُصبت مصابيح قوية لإبقاء معارك الطائرات الورقية مشتعلة حتى ساعات الليل المتأخرة. وأُشعلت مواقد الشواء، وأُعيد تشغيل قوائم الموسيقى، ودُعي الأقارب، لتتحول الأسطح إلى غرف معيشة مؤقتة معلّقة فوق المدينة.
وأعدّت النساء الأزياء التقليدية الصفراء والبيضاء، غالباً مع حليّ زهرية، بينما انشغل الأطفال وكبار السن على حد سواء بفرز الطائرات الورقية وبكرات الخيوط بخبرة متوارثة. وبعد صلاة المغرب، أُضيئت الأحياء الداخلية في لاهور، لتبدو كمدرّجات متوهجة متراكبة فوق بعضها.
وبالنسبة لكثير من سكان لاهور، لا يُعد بَسَنت مجرد مهرجان، بل طقساً مألوفاً. فهتاف «بو-كاتا»، وشدّ الخيط، وأصوات الأغاني الشعبية المتنقلة بين الأسطح، تقاليد راسخة توارثتها الأجيال رغم فترات الانقطاع.
أما بالنسبة لجيل «زد»، فيحمل هذا البَسَنت معنى مختلفاً؛ فكثيرون يحتفلون به للمرة الأولى، ويخطون إلى ثقافة عرفوها عبر حكايات الآباء والإخوة الكبار. وبالنسبة لهم، يتضاعف الحماس بين الاكتشاف وحنينٍ موروث.
وفي الوقت نفسه، أفادت صالونات التجميل بازدياد الإقبال، حيث قالت النساء إنهن يعتزمن الاحتفال ببَسَنت على الطريقة التقليدية الكاملة بعد سنوات من الغياب. كما شهدت متاجر الملابس والإكسسوارات طلباً متزايداً على الألوان الزاهية من الأصفر والأخضر والأحمر، فيما اندفعت لاهور بلا اعتذار نحو الألوان.
«إيجابي إلى حدٍّ كبير»
وقال مالك فيضان أحمد، المستشار القانوني لرابطة الطائرات الورقية، إن إحياء مهرجان بَسَنت أكسب الحكومة قدراً كبيراً من الرصيد السياسي، ما يقلل احتمالات فرض حظر مستقبلي. وأضاف: «رد الفعل الشعبي كان إيجابياً إلى حد كبير، ويبدو الآن من الصعب على أي حكومة قادمة التراجع عن هذا القرار».
وأشار إلى أن الإقبال الشعبي الكبير أعاد للمهرجان شرعيته الاجتماعية.
وذكر أن بيع مستلزمات الطائرات الورقية بدأ فور حلول منتصف ليل الأول من فبراير، قبل أن ترتفع المبيعات بشكل حاد بحلول اليوم الثالث، حين تأكد الناس من جدية العودة.
وأضاف أن إجراءات صارمة للسلامة مطبّقة، معبّراً عن ثقته بأن أيام الاحتفال الثلاثة ستمر بسلام.
وقال: «بإذن الله، ستمر أيام بَسَنت الثلاثة بأمان وسلام».
وعلى الصعيد الإداري، يُنظَّم المهرجان ضمن إطار أمني صارم، إذ أكدت وزارة الداخلية في إقليم البنجاب أن «بَسَنت الآمن» سيُحتفل به من 6 إلى 8 فبراير، مع تطبيق المادة 144 للحفاظ على النظام العام. وقد حُظر استخدام الخيوط المعدنية والنايلون، وأُقرّ استخدام قضبان الأمان للدراجات النارية، ووُضعت خدمات الطوارئ في حالة تأهب قصوى.
كما نُشر أكثر من عشرة آلاف عنصر شرطة في أنحاء المدينة، مع نقاط تفتيش ومراقبة صارمة، وسياسة عدم التسامح مع أي مخالفات.
ويؤكد المسؤولون أن هذه الإجراءات لا تهدف إلى إفساد أجواء الفرح، بل إلى ضمان أن تمر الاحتفالات بأمان وسلاسة.



