العالم يُكتب في الزمن الحقيقي… ومن يتأخر يرث أنظمة لم يبنها باكستان وثمن الانتظار

روبوت بشري يعمل كموظف استقبال يرحّب بالزوار في معرض بمتحف المستقبل في دبي، الإمارات العربية المتحدة

«أشعر أنني متأخر».
هذه كانت كلمات أندريه كارباتي، أحد مهندسي الذكاء الاصطناعي الحديث، في حديثٍ أدلى به الأسبوع الماضي.

كارباتي ليس مراقباً للتغير التكنولوجي، بل هو أحد صُنّاعه. رجل ساهم في بناء نظام القيادة الذاتية في تسلا، وشارك في تأسيس OpenAI، ودرّب بعضاً من أكفأ مهندسي عصرنا، يعترف اليوم بأنه لم يعد قادراً على مواكبة الوتيرة.

هذا ليس تعبيراً عن شك أو إرهاق، بل اعتراف من قائد بأن سرعة التحول التكنولوجي تجاوزت حتى أولئك الذين أسسوه. بوريس تشيرني، المهندس الرئيسي في ميتا لمدة سبع سنوات، والذي يقود اليوم Claude Code في أنثروبيك، قال:
«أبدأ بحل مشكلة يدوياً، ثم أضطر لتذكير نفسي بأن كلود يستطيع على الأرجح إنجاز هذا الأمر».

عندما يتحدث من وضعوا أسس التكنولوجيا الحديثة بهذه اللغة، فذلك إنذار للعالم. فإذا كان المعماريون أنفسهم يشعرون بأنهم متأخرون، فماذا يعني ذلك للدول التي لا تزال تناقش ما إذا كان الابتكار مهماً أصلاً؟

في كثير من الاقتصادات الناشئة، الوقت لا يضيع فقط، بل يُنتزع. بينما يضع الآخرون القواعد، ويبنون الأنظمة، ويحصدون النفوذ، يصبح التردد شكلاً من أشكال الاستسلام. التأخير لم يعد موقفاً محايداً، بل قراراً بالتخلي عن التأثير والسيطرة والقوة الاقتصادية لصالح من يتحركون أسرع. المسرح العالمي يُكتب في الزمن الحقيقي، ومن يصل متأخراً سيرث أنظمة لم يشارك في بنائها.

في عام 2011، اكتشفتُ البيتكوين. قرأت الشيفرة، تتبعت كل سطر، وشعرتُ باهتزاز ثورة قادمة. فهمتُ قوتها، ومع ذلك انتظرت. قلت لنفسي إنه ما زال مبكراً. نصحت نفسي بالحذر. وعندما تحركت أخيراً، كان المستقبل قد مضى من دوني. لم تكن المعرفة وحدها كافية أبداً. الشجاعة على الفعل هي ما يحدد من يصنع التاريخ.

وأنا أراقب موجة الابتكار الحالية، أشعر بنفس لسعة الـ«ديجا فو»، لكن على نطاق أعظم بكثير. الإشارات واضحة وساطعة ولا يمكن تجاهلها. معظم الناس لاحظوها، لكن قلة فقط فهمتها حقاً. في أنحاء واسعة من العالم النامي، هناك إدراك متزايد لأهمية التقدم التكنولوجي، لكن الوعي وحده لم يعد كافياً. التاريخ لا يغفر التردد. إنه يلتهم من ينتظرون بينما يبني الآخرون ويبتكرون ويستولون على المستقبل.

عصر «المطوّر المبتدئ» كما عرفناه يقترب من نهايته بهدوء. البرمجيات لم تعد تُبنى سطراً بسطر. اليوم، يصف المهندسون النتائج بدلاً من التعليمات. الأنظمة تولد الشيفرة، تختبرها، تحسنها وتنشرها. دور المطوّر يتحول من البناء إلى التنسيق: إدارة أنظمة ذكية، ووكلاء، وتدفقات عمل، وحلقات تغذية راجعة.

بوريس تشيرني أمضى أسابيع يعمل من دون فتح بيئة تطوير تقليدية. النماذج قامت بالعمل، وهو أشرف فقط. ومع ذلك، لا تزال الأنظمة التعليمية في كثير من الدول الناشئة تُعدّ الطلاب لوظائف تتلاشى بسرعة. الموهبة موجودة، لكن الفرصة متأخرة. الفجوة تتسع. المطوّر المبتدئ مات. المستقبل لمن يتحركون بحسم ويصوغون القصة قبل أن تُكتب عنهم.

حجم الاستثمار والتأثير مذهل. صناعات كاملة، واقتصادات، ودول يعاد تشكيلها في الزمن الحقيقي. تقدّر ماكنزي أن الابتكار قد يضيف 4.4 تريليونات دولار سنوياً إلى الاقتصاد العالمي. وتتوقع غولدمان ساكس أن نحو 300 مليون وظيفة قد تتأثر عالمياً. ميتا تستثمر 35 مليار دولار في البنية التحتية خلال 2024. مايكروسوفت وOpenAI تتوقعان استثمارات بقيمة 100 مليار دولار خلال هذا العقد. أما إنفيديا، فقد أعلنت عن إيرادات بقيمة 47 مليار دولار من مراكز البيانات العام الماضي.

هذه ليست منافسة شركات. إنها بنية تحتية وطنية بحجم السكك الحديدية، وشبكات الكهرباء، والقدرات النووية. الدول التي تفشل في البناء لن تتأخر فحسب، بل ستستورد القرارات، والأفكار، والإنتاجية. ستتنازل عن استقلالها الاستراتيجي. معظم النقاشات السياسية لا تدرك هذا. التحليل والتنبؤ والتنفيذ تتسارع بوتيرة تفوق أطر صنع القرار. الأدوات تستطيع بالفعل توليد حلول أسرع من البشر، لكن اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية لا يزالان إنسانيين حصراً.

المشكلة ليست نقص الخيارات، بل نقص الحكم الرشيد، والشجاعة، والالتزام. الذكاء الاصطناعي لا يختار، ولا يتحمل المسؤولية. ومع تصاعد القدرات، يتضاعف عبء القرار البشري. من يتحركون بحسم ومسؤولية سيحددون المستقبل. ومن يترددون سيرثون أنظمة صاغها غيرهم.

تعلن حكومات كثيرة عن استراتيجيات، وتشكل لجاناً، وتعقد مؤتمرات. لكن الجاهزية الحقيقية تقوم على ثلاثة أعمدة: القدرة الحاسوبية، والموهبة التقنية، وسرعة المؤسسات. في معظم العالم النامي، توجد فجوات في الأعمدة الثلاثة. البنية التحتية المتقدمة مستوردة في الغالب. البحث المحلي مجزأ. اتخاذ القرار في القطاع العام أبطأ من التقدم نفسه. التكنولوجيا تتسارع بينما المؤسسات لا تزال غير ناضجة. القدرات ترتفع أسرع من الهياكل التي يفترض أن توجهها.

في عام 2024، أبرز الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي اتساع الفجوة: الولايات المتحدة استثمرت 109 مليارات دولار، أي 24 ضعف استثمار المملكة المتحدة، ثالث أكبر مستثمر. باكستان لا تزال في بدايات دخولها إلى الذكاء الاصطناعي، بحذر، بينما العالم يندفع للأمام. من بين الدول النامية، وحدها الهند والصين تجذبان استثمارات ذات معنى. نحن لا نتأخر فقط، بل نشاهد تآكلنا بصمت. كل تقدم يحدث في مكان آخر بينما نناقش ونؤجل. أطفالنا سيرثون أنظمة لم نبنها، واقتصادنا سيُشكَّل بأيدٍ لا نملك السيطرة عليها. هذا استسلام وطني بطيء.

تُخرّج باكستان آلاف المتخصصين في علوم الحاسوب سنوياً، لكن قلة منهم تختبر عمق وحجم الابتكار الحديث. الموارد الحاسوبية عالية الأداء محدودة، والتدريب على التعاون والتفكير الاستراتيجي نادر. النتيجة أن المواهب تهاجر أو تبقى معطلة. الطموح بلا فرصة يولد الإحباط، والموهبة بلا بنية تحتية تؤدي إلى نزيف بطيء للقدرات الوطنية.

هذه تصدعات تضعف الدولة، وتترك الجيل القادم يرث عالماً لم يشارك في تشكيله. الحل واضح: بناء مراكز ذكاء اصطناعي عالمية المستوى محلياً، تجمع بين بنية تحتية متقدمة وإرشاد في الابتكار الاستراتيجي. تمكين المواهب من البقاء، والإبداع، والقيادة، وتحويل الطموح إلى قدرة وطنية تمنح باكستان مقعداً على طاولة كتابة المستقبل.

تحتاج الاقتصادات الناشئة إلى التنفيذ. يجب إعطاء الأولوية لمنشآت وطنية قادرة على دعم أبحاث عالمية المستوى؛ ومراكز شراكة بين القطاعين العام والخاص لتجميع الابتكار؛ وأطر تنظيمية تشجع التجريب؛ وبرامج للاحتفاظ بالمواهب وإعادتها؛ وحوكمة تواكب التغيير. السلطة اليوم تُكتسب عبر تحديد الأولويات وسط الوفرة، واستبعاد بدائل محتملة، واتخاذ قرارات من دون ضمانات، وتحمل تبعاتها بشفافية. المستقبل لن يشكله من يتنبأون أفضل، بل من يتحملون مسؤولية قرارات لا يمكن إثبات صوابها مسبقاً. يحذر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، من أن الخطر ليس في القوة، بل في عدم نضج المؤسسات التي تستخدمها.

عندما يقول كارباتي إنه يشعر بأنه متأخر، وأراقب بلدي يعاني بالطريقة نفسها، فإننا نواجه الأزمة ذاتها من زاويتين: شخصية ووطنية. في 2011، تجاهلت البيتكوين. فهمت إشاراته لكنني ترددت. وعندما تحركت، كانت الفرصة قد فاتت. لم أفشل بسبب الجهل، بل بسبب التأخير. اليوم، المخاطر أعلى بكثير.

كلمات كارباتي تحذير. عندما يشعر أحد مهندسي التغيير بأنه متأخر، فهذا يكشف مدى تقدم الحدود، ومدى تأخرنا بالفعل. هذا ليس تهويلاً، بل دعوة للوضوح، والشجاعة، والعمل الحاسم. لا يزال أمام باكستان نافذة، لكنها تضيق. كل يوم من التردد يعمق التبعية ويقوض النفوذ. السؤال لم يعد ما إذا كنا نفهم المخاطر، بل ما إذا كنا مستعدين للتصرف بحسم ومسؤولية… الآن.

وإلى جانب السياسات الوطنية، يلعب القطاع الخاص دوراً حاسماً بالقدر نفسه. على كل شركة كبرى وكل عمل نامٍ أن يطرح سؤالاً بسيطاً: كيف يحسن الذكاء الاصطناعي كفاءتنا، وقراراتنا، وتنافسيتنا؟ لم يعد تبني الذكاء الاصطناعي ترقية تقنية، بل وظيفة استراتيجية.

إحدى أكثر الخطوات العملية هي تعيين «رئيس للذكاء الاصطناعي» أو منصب مكافئ، ويفضل أن يكون شاباً، متمكناً تقنياً، يفهم أدوات التطوير الحديثة، والتجريب، والتكرار السريع. شخص يكون جزءاً من القيادة لا معزولاً في الخلف. في كثير من الحالات، سيكون دون الثلاثين، متمرساً في الأتمتة، ومركزاً على التنفيذ لا التنظير. يجب أن تكون مهمته واضحة: إعادة تصميم العمليات، إزالة الاحتكاك، وتحويل التكنولوجيا إلى ميزة قابلة للقياس.

بالنسبة للشركات المتقدمة، قد يكون هذا أحد أعلى الاستثمارات عائداً على الإطلاق. ليس في البرمجيات، بل في قابلية المؤسسة للتكيف. في عصر أصبحت فيه «الذكاء» مدخلاً أساسياً للإنتاج، فإن الشركات التي تفشل في دمجه على مستوى القيادة ستفقد أهميتها تدريجياً، مهما كان ماضيها ناجحاً.

حذر أرنولد توينبي قائلاً: «الحضارات لا تموت قتلاً، بل تنتحر». التردد، والجمود، والفشل في التكيف هو انتحار الأمم. التاريخ لا يكرم من خططوا للتكيف، بل من بنوا السكك بينما كان الآخرون يناقشون المسار.