ترامب يعيد رسم البوصلة الاستراتيجية… وباكستان خارج دائرة الضغط

بعد عام على عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تبدو باكستان من بين المستفيدين الهادئين من تحولٍ مهم في التفكير الاستراتيجي لواشنطن. إذ تشير استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026، التي أُفرج عنها حديثاً، إلى ابتعاد عن الموقف الأميركي التقليدي الذي استمر لعقود في اعتبار الصين التهديد العالمي الأول، وهو ما يقول مسؤولون ومحللون باكستانيون إنه يخفف من التحديات التي تواجه السياسة الخارجية لإسلام آباد.

عندما تولى ترامب الرئاسة لولاية ثانية، ساد القلق في باكستان. فمع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان وعودة شعار “أميركا أولاً”، خشي كثيرون في إسلام آباد من تهميش متجدد. وكانت التقديرات السائدة تشير إلى أن واشنطن ستعمّق شراكتها الاستراتيجية مع الهند، وتزيد الضغط على باكستان، وتتبع نهجاً أكثر تصادمية تجاه الصين، وهو سيناريو كان سيعقّد التوازن الإقليمي الدقيق لباكستان.

لكن تطورات العام الماضي سارت على نحو مختلف. فقد شهدت باكستان تحسناً في مستوى التواصل مع إدارة ترامب، في حين ظهرت مؤشرات توتر في العلاقات الأميركية–الهندية. وجاء صدور استراتيجية الدفاع لعام 2026 ليعزز هذا الاتجاه، مقدماً – بحسب وصف مسؤولين – «مساحة تنفس استراتيجية» لإسلام آباد.

إعادة تعريف التهديدات

يكمن جوهر السياسة الجديدة في إعادة تعريف واشنطن لتصورها للتهديدات. فعلى خلاف الاستراتيجيات السابقة، ولا سيما استراتيجية الدفاع لعام 2022 الصادرة في عهد إدارة بايدن، والتي وصفت الصين صراحة بأنها «أخطر منافس استراتيجي»، تتجنب وثيقة 2026 تصوير بكين كعدو وجودي.

وتؤكد الاستراتيجية أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى مواجهة مع الصين، ولا تهدف إلى إضعافها أو عزلها. وجاء فيها أن واشنطن لا تريد الهيمنة على الصين أو إذلالها أو خنقها، بل «ضمان ألا تتمكن الصين أو أي طرف آخر من الهيمنة علينا أو على حلفائنا». وتهدف الولايات المتحدة، بحسب الوثيقة، إلى تحقيق «سلام مقبول بشروط مواتية للأميركيين ويمكن للصين أيضاً قبولها والتعايش معها»، معتمدة على ردع الصين «بالقوة لا بالمواجهة».

أهمية خاصة لباكستان

بالنسبة لباكستان، يمثل هذا التحول أهمية خاصة. فقد سعت إسلام آباد باستمرار إلى تجنب الانخراط في صراعات القوى الكبرى، ولا سيما التنافس الأميركي–الصيني، نظراً لشراكتها الاستراتيجية الوثيقة مع بكين. وكان النهج الأميركي التصادمي تجاه الصين يضع باكستان تاريخياً في موقف صعب، ويجبرها على الموازنة بين علاقتها بواشنطن وروابطها العميقة مع بكين.

وقال مسؤول باكستاني رفيع، طلب عدم الكشف عن هويته، إن النهج الأميركي الجديد يجعل السياسة الخارجية الباكستانية «أقل توتراً». وأضاف: «إذا لم تعد الولايات المتحدة تسعى إلى مواجهة مع الصين، فإن ذلك يقلل الضغط على دول مثل باكستان التي تربطها علاقات قوية ببكين. هذا النهج يمنحنا مساحة دبلوماسية أوسع».

من جانبه، قال عبد الباسط، الدبلوماسي السابق وسفير باكستان الأسبق لدى الهند وألمانيا، إن «الاستراتيجية الأميركية في جوهرها تقوم على كسب الوقت لإيجاد وسائل لمواجهة الصين والحفاظ على التفوق الأميركي. ترامب يلعب بذكاء، والصين تدرك هذه اللعبة». وأضاف لصحيفة إكسبريس تريبيون: «في الوقت الراهن، لن نشهد تصعيداً يصل بالعلاقات الثنائية إلى نقطة اللاعودة. وهذا أمر إيجابي لباكستان طالما استمر».

غياب الهند عن الاستراتيجية

ومن الجوانب اللافتة في استراتيجية الدفاع لعام 2026 ما لم تتضمنه. فالهند، التي كانت تحظى بحضور بارز في وثائق السياسة الأميركية السابقة، غابت تماماً عن الوثيقة المكونة من 24 صفحة. كما لم يرد أي ذكر للحوار الأمني الرباعي (كواد) الذي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، والذي كان حاضراً بقوة في أطر سابقة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وقد لفت هذا الغياب الأنظار في إسلام آباد. ففي عهد إدارة بايدن، وُصفت الهند مراراً بأنها شريك دفاعي رئيسي وركيزة أساسية في الاستراتيجية الأميركية في آسيا. ويشير غيابها عن الاستراتيجية الجديدة إلى إعادة ضبط في أولويات واشنطن الإقليمية.

ويرى مسؤولون باكستانيون في ذلك تطوراً إيجابياً إضافياً. وقال مسؤول كبير، لم يُذكر اسمه، إن تقليص التركيز على الهند يقلل من اختلال التوازن الإقليمي. وأضاف: «كون الهند لم تُذكر ولو مرة واحدة في استراتيجية الدفاع أمر مهم. فهذا يدل على أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الهند باعتبارها محوراً أساسياً في سياستها تجاه الصين. وهذا تطور مرحب به بالنسبة لباكستان».

ويرى محللون أن هذا التغيير مرتبط مباشرة بتخفيف لهجة واشنطن تجاه الصين. فمع عدم تصوير بكين كتهديد أساسي، تراجعت الأهمية الاستراتيجية للهند التي كانت تُطرح سابقاً كقوة موازنة.

حذر من المبالغة في التفاؤل

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يحذر مراقبون من افتراض ديمومة هذا التحول. فنهج ترامب في السياسة الخارجية يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره نهجاً قائماً على الصفقات والشخصنة، ما يثير تساؤلات حول استمرارية هذا التوجه بعد انتهاء ولايته.

ويشير محللو الأمن إلى أن العقيدة الاستراتيجية الأميركية كثيراً ما تتغير بتغير الإدارات. وقد تعود إدارة مستقبلية إلى نهج أكثر تقليدية يصور الصين مرة أخرى باعتبارها الخصم المركزي، ما قد يعيد إحياء استراتيجيات الاحتواء والتحالفات السابقة.

وقال مسؤول آخر: «تعكس هذه الاستراتيجية رؤية ترامب للعالم أكثر مما تعكس تحولاً دائماً في الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة. ينبغي على باكستان أن تستفيد من البيئة الحالية، ولكن مع توخي الحذر في افتراضات المدى الطويل».

دور دبلوماسي متنامٍ

في الوقت الراهن، تبدو استراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2026 متوافقة مع تفضيل باكستان التقليدي للحياد الاستراتيجي وسط تنافس القوى الكبرى. فبتقليص التركيز على المواجهة مع الصين وتجنب الاصطفاف الصريح مع الهند، جعلت واشنطن – من دون قصد – الدبلوماسية الإقليمية الباكستانية أكثر قابلية للإدارة، على الأقل خلال فترة رئاسة ترامب.

وقال السفير عبد الباسط في ختام حديثه: «لا يزال من الضروري بالنسبة لنا مواصلة رعاية شراكتنا الاستراتيجية مع الصين. فالولايات المتحدة ستشهد تحولات داخلية وخارجية عديدة مع احتدام المنافسة وتزايد الضغوط على مختلف الجبهات».

كما قال جليل عباس جيلاني، وزير الخارجية الأسبق وأمين عام وزارة الخارجية السابق، إن استراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2022 ذكرت الصين صراحة باعتبارها التهديد الرئيسي، في حين أن الاستراتيجية الجديدة لا تضعها في الفئة نفسها، رغم استمرار وصفها بالمنافس الرئيسي. وأوضح أن الوثيقة تؤكد الدفاع عن المصالح الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وردع الصين بالقوة لا بالمواجهة، مع الحفاظ على توازن عسكري يمنع هيمنة الصين على الولايات المتحدة أو حلفائها.

وأشار إلى أن المخاوف الأميركية السابقة بشأن العلاقات الباكستانية–الصينية، ومشاريع الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC)، قد تراجعت خلال العام الماضي. وأضاف: «من الطبيعي أن نشعر بقدر كبير من الارتياح إزاء هذا التحول، إذ يتيح لباكستان متابعة مصالحها الاستراتيجية مع الصين، بالتوازي مع بناء شراكة قوية مع الولايات المتحدة».

وأكد أن الضغوط على باكستان في سياق علاقتها مع الصين آخذة في التراجع نتيجة رغبة إدارة ترامب في خفض التوترات مع بكين، إضافة إلى إدراك متزايد في واشنطن بأن باكستان يمكن أن تكون شريكاً مفيداً في تهدئة التوترات ليس فقط مع الصين، بل أيضاً مع إيران وفي الشرق الأوسط.

وأوضح أن العلاقات الباكستانية–الأميركية تأثرت تاريخياً بأربعة عوامل رئيسية: علاقة باكستان بالصين، وتطور العلاقات الأميركية–الهندية منذ منتصف التسعينيات، وأفغانستان، والملف النووي.

وأشار إلى أن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين الهند والولايات المتحدة – بما يشمل الاتفاق النووي المدني، وأطر تبادل المعلومات اللوجستية والاستخباراتية مثل BECA وCOMCASA، وتصنيف الهند كمزودٍ صافٍ للأمن، وضمها إلى تجمعات مثل «كواد» و«I2U2» – خلق شعوراً عميقاً بعدم الأمان ليس في باكستان فحسب، بل في دول جنوب آسيا الأصغر أيضاً.

غير أنه لفت إلى أن إدارة ترامب تبدو وكأنها تبتعد جزئياً عن الهند، بعدما أعلنت صراحة أن «الإيثار الاستراتيجي» الذي تمتعت به نيودلهي لفترة طويلة سيُستبدل بـ«المعاملة بالمثل الاستراتيجية». وأضاف أن كثيرين في الولايات المتحدة باتوا يشككون في مصداقية الهند كشريك، بسبب مواقفها من الحرب في أوكرانيا، والخلافات التجارية، والتساؤلات حول قدرتها على أداء دور مزود الأمن الإقليمي.