مع دخول باكستان مرحلة تتميز بفرص غير مسبوقة في مجال صادرات الدفاع، إلى جانب فرصة موازية لإعادة تموضعها ضمن الديناميات الاقتصادية العالمية المتغيّرة، يدعو قادة الأعمال إلى إعادة هيكلة جذرية للعلاقات الاقتصادية الخارجية للبلاد من أجل تحقيق نمو مستدام قائم على الذات.
وحثّ الرئيس السابق لغرفة تجارة وصناعة رابطة جنوب آسيا (SAARC) افتخار علي مالك، الحكومة والقطاع الخاص على منح الأولوية للتنافسية والاستثمار والابتكار كركائز لإحياء الاقتصاد الباكستاني. وقال إن البلاد تقف عند مفترق طرق حاسم، يمكنها فيه إما الاستمرار في دوامة إدارة الأزمات أو التحرر نحو سيادة اقتصادية حقيقية. وأضاف: “لقد ظللنا لفترة طويلة محاصرين في فخ المساعدات الخارجية التي أضعفت أسسنا الهيكلية وعرقلت التخطيط الاستراتيجي”. واعتبر أن إعادة الاصطفاف العالمي الحالية، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالأسواق الناشئة ومبادرات الربط الإقليمي، تتيح لباكستان فرصة نادرة لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والسير نحو نمو قائم على خياراتها الخاصة.
وشدد الخبير التجاري على أن جذب الاستثمار الأجنبي المباشر طويل الأجل يجب أن يتقدم على تدفقات رأس المال القصيرة الأجل المرتبطة بضغوط ميزان المدفوعات. فهذه الاستثمارات، كما أكد، لا تجلب رأس المال فقط، بل توفر أيضاً نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية وإمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية. وأكد على أهمية استعادة الثقة لدى رواد الأعمال المحليين والمستثمرين من أبناء الجاليات الباكستانية في الخارج، الذين يمكن أن يشكلوا أساساً لتمدد اقتصادي مستدام.
من جانبه أشار رجل أعمال بارز – فضل عدم ذكر اسمه – إلى أن نمو قطاع الدفاع في باكستان قد يشكل نقطة تحول للاقتصاد الأوسع. فبعد الصراع الباكستاني-الهندي في مايو 2025، ارتفعت صادرات الدفاع الباكستانية إلى نحو 13 مليار دولار، رغم أن جزءاً كبيراً منها لا يزال في طور التنفيذ، مما يفتح آفاقاً جديدة لتنويع الاقتصاد.
وقال: “الطفرة في صادرات الدفاع ليست مجرد مسألة معدات عسكرية؛ إنها تمثل اعترافاً بقدرات التصنيع والخبرة الفنية في باستان”. وأوضح أن هذه الطلبات التصديرية تخلق، وستواصل خلق، آثاراً متسلسلة عبر القطاع الخاص، إذ تساعد الشركات المصنعة على اكتشاف أسواق دولية جديدة وتؤسس مكانة لباكستان كمورد موثوق. وأضاف أن الفوائد لا تقتصر على عوائد النقد الأجنبي الكبيرة، بل تشمل بناء قدرات مؤسسية ومصداقية عالمية يمكن الاستفادة منها عبر مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن نجاح قطاع الدفاع يبرهن على ما يمكن أن تحققه الصناعة الباكستانية عندما تركز على الجودة والابتكار والالتزام بالمعايير الدولية، وهي دروس يجب تعميمها على بقية قطاعات الاقتصاد.
ومع ذلك، شدد مالك على أن إعادة تعريف العلاقات الاقتصادية الخارجية لباكستان يتطلب نهجاً دبلوماسياً أكثر توازناً، حيث ينبغي أن تكون الاتفاقيات التجارية ومشاريع الربط الإقليمي مدفوعة بالتنافسية الوطنية وليس بالاحتياجات التمويلية العاجلة. وأكد أن تنويع أسواق التصدير وتقليل الاعتماد على الشركاء التقليديين من شأنهما تعزيز موقع باكستان التفاوضي عالمياً.
وأوضح القائدان الاقتصاديان أن المستقبل يكمن في تسخير الابتكار عبر مختلف القطاعات، بما في ذلك الرقمنة، والتكنولوجيا المالية، وتقنيات الزراعة، والطاقة المتجددة. فهذه المجالات – كما قالا – توفر فرصاً لتجاوز القيود التنموية التقليدية والاندماج المباشر في سلاسل القيمة العالمية، إلى جانب خلق وظائف نوعية للشباب الباكستاني.
وأشارا إلى أن هذا التحول يتطلب التزاماً مستمراً وحوكمة شفافة ومساءلة. وأضاف مالك: “الأمر لا يتعلق بحلول سريعة أو إصلاحات شكلية؛ إنه يتطلب ملكية حقيقية لعملية الإصلاح ورؤية طويلة المدى تضع المرونة والاستدامة فوق الاعتبارات قصيرة الأجل. وإذا تمكّنا من الحفاظ على هذا التركيز، يمكن لباكستان أن تظهر كاقتصاد واثق ومنتج، ومندمج في النظام العالمي على قدم المساواة”.



