الحوار الاستراتيجي الباكستاني–الصيني السابع: تعزيز الشراكة في ظل التحولات الإقليمية والدولية

ستعقد الصين وباكستان يوم الأحد حوارًا استراتيجيًا مهمًا، وذلك بعد وصول نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى العاصمة الصينية بكين يوم السبت، ليصبح أول دبلوماسي أجنبي رفيع المستوى يزور بكين في عام 2026.

وسيرأس دار بالاشتراك مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي الجولة السابعة من الحوار الاستراتيجي لوزيري خارجية باكستان والصين، وذلك في ظل عدد من التطورات الإقليمية والدولية.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الباكستانية إن آخر جولة من الحوار الاستراتيجي عُقدت في أغسطس الماضي، وإن عقد الجولة الجديدة خلال فترة زمنية قصيرة يعكس مستوى التعاون الوثيق والمشاورات المستمرة بين “الأخوين الحديديين”.

ويهدف هذا المنتدى أساسًا إلى مناقشة القضايا الإقليمية والدولية الأوسع، والعمل على تنسيق المواقف بين الجانبين. وفي ظل التطورات الجارية التي تمتد من جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط، ومن مناطق توتر عالمية أخرى، تزداد أهمية الحوار الاستراتيجي المرتقب بين البلدين.

وكان في استقبال دار في مطار بكين الدولي ممثل الصين الخاص لشؤون أفغانستان السفير يوي شياويونغ، وسفير باكستان لدى الصين، وعدد من كبار مسؤولي السفارة الباكستانية، في مشهد يعكس الطابع الرسمي والرفيع المستوى للزيارة.

ومن المقرر أن يُعقد الحوار يوم الأحد، كما يُتوقع أن يشارك دار في سلسلة من الفعاليات التذكارية التي تحتفي بالشراكة التاريخية بين إسلام آباد وبكين.

ويمثل هذا الحوار آلية التشاور الأعلى مستوى بين باكستان والصين، حيث يوفر منصة منظمة لمراجعة مجمل العلاقات الثنائية، بما في ذلك التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، إضافة إلى التبادلات الشعبية والثقافية.

كما يتيح فرصة لتنسيق المواقف بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

ووفقًا لبيان وزارة الخارجية الباكستانية، فإن الحوار الاستراتيجي “يشكل جزءًا مهمًا من التبادلات المنتظمة رفيعة المستوى بين باكستان والصين، ويعكس عزمهما المشترك على توسيع وتعميق الشراكة الاستراتيجية التعاونية في جميع الظروف”. وأضاف البيان أن الجانبين ملتزمان بتحقيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة.

وقد جرى إضفاء الطابع المؤسسي على الحوار الاستراتيجي لوزيري الخارجية لتوفير آلية رسمية للتشاور الشامل حول القضايا الثنائية والإقليمية. وتأتي الجولة السابعة بعد أقل من خمسة أشهر من اجتماع أغسطس 2025، ما يشير إلى تسارع وتيرة التفاعلات رفيعة المستوى بين البلدين.

ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في مايو 1951، كانت باكستان من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية. وعلى مر العقود، تطورت هذه العلاقات إلى شراكة متعددة الأبعاد تتسم بثقة سياسية قوية، وتعاون دفاعي وثيق، وتوسع متزايد في التعاون الاقتصادي. وقد صمدت هذه العلاقة أمام العديد من الاضطرابات الإقليمية والتحولات العالمية في موازين القوى، حيث يصف البلدان بعضهما البعض غالبًا بـ“الإخوة الحديديين”.

وقد دعمت بكين باستمرار إسلام آباد في قضاياها الجوهرية، بما في ذلك قضية كشمير، فيما أكدت باكستان دعمها لسيادة الصين ووحدة أراضيها على الساحة الدولية. وظل التعاون الدفاعي والتنسيق الأمني عنصرين أساسيين في الشراكة الثنائية، بما يعزز الاستقرار الاستراتيجي للبلدين في المنطقة.

وأصبح التعاون الاقتصادي، ولا سيما من خلال الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC)، ركيزة أساسية للعلاقات الثنائية خلال العقد الماضي. ورغم التحديات مثل التقلبات الاقتصادية العالمية والقيود الداخلية، أكد البلدان التزامهما بتطوير مشاريع الممر الاقتصادي بجودة عالية.

ومن المتوقع أن يركز الحوار المرتقب على تعزيز التعاون الصناعي، وتشجيع الابتكار الزراعي، وتوسيع مبادرات تكنولوجيا المعلومات، والسعي إلى تنفيذ مشاريع للتنمية الخضراء بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.

ويأتي هذا الحوار في ظل بيئة أمنية إقليمية سريعة التغير. ومن القضايا الرئيسية المرجح طرحها على جدول الأعمال: الوضع في أفغانستان بعد التحول السياسي، والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط، والتنافس الاستراتيجي المتصاعد بين القوى الكبرى.

ويرى محللون أن إسلام آباد وبكين قد تناقشان سبل تنسيق الجهود لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وتعزيز الدبلوماسية متعددة الأطراف، ومواجهة التحديات الأمنية في جنوب ووسط آسيا.

كما يوفر الحوار منصة لتبادل التقييمات بشأن التطورات العالمية، بما في ذلك اتجاهات التعافي الاقتصادي بعد الجائحة، وقضايا أمن الطاقة، والشراكات الناشئة في مجالات التجارة والتكنولوجيا.

ويشير مراقبون إلى أن التوسع الاقتصادي والاستراتيجي العالمي للصين يتماشى مع أهداف باكستان الرامية إلى استقرار اقتصادها والاستفادة من الدعم الصيني لتحقيق تنمية مستدامة.

ويُعد الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين باكستان والصين في عام 2026 محطة بارزة خلال زيارة دار. ومن المتوقع أن يترافق الحوار مع الإعلان عن مبادرات مشتركة وأنشطة تذكارية تعكس عقودًا من الثقة والتعاون المستمر.

ومن خلال التبادلات الثقافية والمشاريع التنموية المشتركة، يعتزم الجانبان إبراز الأهمية التاريخية للشراكة، مع رسم ملامح مسارها المستقبلي.

وقالت وزارة الخارجية في إحاطتها: “إن خمسة وسبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية تمثل محطة لا تُخلد التاريخ فحسب، بل تؤكد أيضًا رؤيتنا المشتركة للتعاون طويل الأمد”.

ومن المرجح أن تشمل احتفالات الذكرى لقاءات رفيعة المستوى، وزيارات ثنائية، ومبادرات قطاعية تهدف إلى تعميق الروابط الشعبية، وتعزيز التجارة، وتوسيع التعاون التكنولوجي.

وتأتي زيارة دار بعد سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى بين إسلام آباد وبكين في الأشهر الأخيرة، ما يبرز الزخم القائم في العلاقات الثنائية. وتشير وتيرة هذه الحوارات المنتظمة إلى الأهمية التي يوليها البلدان للتنسيق الاستراتيجي، وإلى إدراكهما المتبادل للفوائد الجيوسياسية والاقتصادية للتعاون الوثيق.

وعلى الرغم من أن الحوار ذو طابع تشاوري في الأساس، يتوقع خبراء أن يفضي إلى نتائج عملية، تشمل اتفاقيات لتسهيل التجارة، والتعاون في مجال الطاقة، ومشاريع بنية تحتية مشتركة، وتنسيق الاستراتيجيات الدبلوماسية بشأن قضايا الأمن الإقليمي.

كما سيشكل الحوار منصة لإعادة التأكيد على “الشراكة الاستراتيجية التعاونية في جميع الظروف”، ودفع المصالح المشتركة للبلدين في المحافل الدولية. وتؤكد زيارة دار إلى بكين على الطابع المتين للعلاقات الباكستانية–الصينية، وعلى العزم المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية والعالمية بشكل تعاوني.

ولا يقتصر الحوار الاستراتيجي على ترسيخ عقود من الثقة والشراكة فحسب، بل يمهد أيضًا الطريق لمستقبل من التعاون الاقتصادي الأوسع، والتنسيق الاستراتيجي الأعمق، والتفاعل الذي يركز على الإنسان بين البلدين.