كيف أعادت باكستان تموضع سياستها الخارجية في عام 2025: إعادة ضبط استراتيجية أم مكاسب ظرفية؟

من بروزها كـ«مُثبِّت إقليمي صافٍ» ووسيط في حرب غزة التي استمرت لأكثر من عامين، إلى إبرام اتفاقيات دفاعية استراتيجية وإعادة معايرة علاقاتها مع واشنطن، كان عام 2025 عاماً مفصلياً في تاريخ باكستان.

وكما لاحظ الدبلوماسي الأميركي والكاتب المعروف ريتشارد ن. هاس ذات مرة: «النجاح في السياسة الخارجية، كما في النجارة، يتطلب الأدوات المناسبة للمهمة». وفي عام 2025، بدا أن باكستان استخدمت تلك الأدوات بدقة لافتة.

فقد أحسنت إسلام آباد استثمار مشهد جيوسياسي سريع التغيّر عقب اشتباك عسكري قصير لكنه مكثف مع الهند، واستفادت من تجدد الانخراط مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه حافظت على توازن علاقاتها مع الشريك التاريخي الراسخ، الصين. ومع ذلك، لم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل نتاج الضرورة والضغوط وتبدّل الاصطفافات في منطقة شديدة التقلب.

بدأت القصة في مايو/أيار 2025، حين واجهت باكستان خصماً أكبر حجماً وأكثر موارد، ما جذب أنظار العالم، ونجحت في إعادة تقديم نفسها من «دولة إشكالية» إلى فاعل إقليمي ذي صلة.

اندلع النزاع بين باكستان والهند عقب هجوم استهدف سياحاً هندوساً في جامو وكشمير المحتلة من قبل الهند (IIOJK)، إذ اتهمت نيودلهي إسلام آباد بالوقوف وراء الهجوم من دون تقديم أدلة. ونفت باكستان أي ضلوع لها، فيما شككت وزارة الخارجية في مصداقية الرواية الهندية، ووصفتها بأنها «مليئة بالافتراءات».

استخدم الطرفان الطائرات المقاتلة والصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة خلال النزاع الذي استمر أربعة أيام، وأسفر عن مقتل العشرات، قبل التوصل إلى وقف إطلاق نار بوساطة أميركية. وفي أعقاب المواجهة مباشرة، أعلنت باكستان أنها أسقطت سبع طائرات مقاتلة هندية، من بينها طائرات «رافال» الفرنسية الصنع. وأقرت نيودلهي بتكبدها «بعض الخسائر»، لكنها نفت فقدان سبع طائرات.

أصبح هذا النزاع المسلح القصير لحظة أثبتت فيها باكستان قدرتها، وأعادت من خلالها دخول ساحة الدبلوماسية العالمية بثقة. وتبع ذلك سيل من اللقاءات رفيعة المستوى، شملت اجتماعات بين القيادة الباكستانية والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتوقيع اتفاقيات دفاعية مع السعودية وأذربيجان وليبيا.

وتضمن الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي المتبادل مع السعودية بنداً ينص على أن أي عدوان على أحد الطرفين يُعد عدواناً على الآخر، ما أضاف طبقة جديدة إلى منظومة الردع الباكستانية في مواجهة أي تهديد محتمل.

وكانت العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة والهند عاملاً آخر أسهم في تعزيز مكانة باكستان الإقليمية. فقد تراجعت العلاقات الأميركية-الهندية بسبب خلافات حول التأشيرات والرسوم الجمركية، إضافة إلى قلق واشنطن من تنامي انخراط نيودلهي مع موسكو. كما أن زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى بكين في أغسطس/آب أشارت إلى استعداد الهند للتقارب مع الصين. وبالنسبة لترامب، الساعي إلى الحفاظ على توازن في آسيا، بدت باكستان مجدداً ورقة مفيدة في مواجهة ميل الهند نحو بكين.

أما العامل الثالث، والأكثر حساسية، فكان دبلوماسية المعادن. إذ ركزت إسلام آباد في تواصلها مع واشنطن على وعود بإتاحة الوصول إلى معادن نادرة، يقع كثير منها في إقليم بلوشستان المضطرب. ووقّعت باكستان اتفاقاً مع شركة «يونايتد ستايتس ستراتيجيك ميتالز» (USSM) باستثمارات تقارب 500 مليون دولار في قطاع المعادن، مع تقارير عن دعم إضافي محتمل من بنك التصدير والاستيراد الأميركي (EXIM).

ومجتمعةً، أعادت هذه العوامل — الأمن والدبلوماسية والموارد — تشكيل المكانة الدولية لباكستان خلال العام. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل نجحت باكستان في إحداث إعادة ضبط استراتيجية دائمة في 2025، أم أنها استفادت فقط من تقاطع نادر للأزمات؟

تحدث موقع Geo.tv إلى خبراء في السياسة الخارجية ومحللين استراتيجيين لاستكشاف ما إذا كانت نهضة باكستان الدبلوماسية في 2025 تمثل إعادة معايرة مستدامة لمكانتها الدولية أم مكسباً قصير الأمد مدفوعاً بالحرب ودبلوماسية المعادن وتغير ديناميات العلاقات الأميركية-الهندية.

كيف وجدت السياسة الخارجية الباكستانية موطئ قدمها في 2025

شهدت السياسة الخارجية الباكستانية في 2025 تحولاً ملحوظاً مقارنة بحالة الجمود في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد المواجهة القصيرة مع الهند في مايو/أيار.

ووفقاً للصحافي المخضرم المتخصص في الشؤون الخارجية، سيد باقر سجاد، بدت إسلام آباد «أكثر نشاطاً وثقة من الأعوام الماضية»، وحققت «مكاسب واضحة، خصوصاً في إعادة ضبط العلاقات مع الولايات المتحدة وإدارة تداعيات الاشتباك القصير مع الهند».

لكنه حذّر من المبالغة في تقدير هذا التحول، معتبراً أنه «أقرب إلى تعافٍ تكتيكي منه إلى إعادة ضبط استراتيجية عميقة»، وأن زخمه نابع إلى حد كبير من «ظروف خارجية مواتية، ولا سيما التوترات الأميركية-الهندية ونهج ترامب البراغماتي في السياسة الخارجية»، أكثر من كونه نتيجة لإعادة نظر شاملة في الأولويات بعيدة المدى.

وأشار إلى أن استدامة هذا المسار ستعتمد على القدرة على التنفيذ، خاصة في ملفات حساسة مثل احتمال المشاركة في قوة استقرار لغزة، حيث قد تضيق اعتبارات السياسة الداخلية والمخاطر العملياتية هامش المناورة سريعاً.

في المقابل، يرى السفير السابق لدى واشنطن والمؤلف، عزيز أحمد تشودري، أن عام 2025 شكّل نقطة تحول حاسمة. وقال: «أعتقد أن المسار العام للسياسة الخارجية الباكستانية في 2025 خدم مصالح البلاد، وكان في نواحٍ كثيرة إعادة ضبط استراتيجية حقيقية».

واعتبر تشودري أن رد باكستان على الهند في مايو/أيار غيّر التصورات الإقليمية