تبدو باكستان وأفغانستان وكأنهما تبذلان محاولة جديدة، لكنها حذرة، لتجاوز خلافاتهما العميقة حول حركة «تحريك طالبان باكستان» المحظورة (TTP)، إذ تشير التطورات الأخيرة إلى جهد متعمّد من الجانبين لخفض حدة الخطاب العلني، حتى وإن ظلّ تحقيق اختراق شامل أمراً بعيد المنال.
وفي حين يستمر الجمود الظاهر بشأن القضايا الأمنية الجوهرية، ولا سيما مطالبة إسلام آباد بعدم استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات عبر الحدود، فإن الدبلوماسية خلف الكواليس تبدو وقد أسفرت على الأقل عن نتيجة ملموسة واحدة: خفض التصعيد الإعلامي والتركيز على الحوار بدلاً من المواجهة.
وقالت مصادر إن الوسطاء أرادوا من الطرفين على الأقل تهدئة الخطاب العلني لتهيئة أجواء إيجابية للمحادثات. ووفقاً لهذه المصادر، أقنع الوسطاء حكومة طالبان في كابل باتخاذ خطوات معينة، من بينها إصدار فتوى وبيان علني واضح من قيادتها لمعالجة المخاوف الأمنية الباكستانية.
وقد انعكس هذا التحول في سلسلة من التصريحات المدروسة بعناية من كابل وإسلام آباد خلال الأسبوع الماضي، وذلك عقب تدخل ديني بارز من قبل علماء أفغان.
فقد أصدر علماء الدين في أفغانستان مؤخراً فتوى تحرّم على الأفغان تنفيذ هجمات خارج حدود البلاد، وهي خطوة رحبت بها إسلام آباد باعتبارها إجراءً لبناء الثقة أكثر منها حلاً نهائياً.
وبعد وقت قصير من صدور الفتوى، طمأن وزير الداخلية الأفغاني سراج الدين حقاني باكستان علناً بأن الأراضي الأفغانية لن تُستخدم ضد أي دولة أخرى. واعتبر مسؤولون باكستانيون تصريحاته جزءاً من محاولة أوسع لخفض التوترات وإعادة بناء حد أدنى من الثقة.
ويوم السبت، رحّب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار بتصريحات حقاني، مشيداً بتأكيده على حل القضايا العالقة عبر المفاوضات لا المواجهة.
وجاء الرد من كابل سريعاً.
ففي يوم الأحد، رحّب سراج الدين حقاني بتصريحات دار، وكذلك ببيان منفصل صادر عن علماء دين باكستانيين في كراتشي دعوا فيه الحكومتين إلى حل خلافاتهما عبر الحوار. وأكد حقاني أهمية التواصل، مشيراً إلى انفتاح كابل على السبل غير العسكرية لتخفيف التوترات.
وفي وقت سابق، رحّب وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي بدعوة العلماء، مشيراً إلى أن القادة الدينيين لعبوا تاريخياً دوراً بنّاءً خلال فترات التوتر، وغالباً ما ساعدوا المجتمعات على اتخاذ قرارات رشيدة.
ويبدو أن تزايد انخراط الأصوات الدينية على جانبي الحدود يهدف إلى خلق مساحة سياسية وأخلاقية لخفض التصعيد، في وقت عجزت فيه القنوات الدبلوماسية الرسمية عن تحقيق نتائج ملموسة.
ورغم جولات عدة من المحادثات، ظل التقدم محدوداً. فبعد انتهاء غير حاسم لمناقشات حديثة بين وفود من حكومة طالبان وباكستان، أكد دار أن لقاءات إضافية عُقدت في السعودية.
إلا أنه أقرّ بأن تلك المحادثات، مثل سابقاتها التي استضافتها تركيا وقطر، لم تسفر عن نتائج ملموسة.
ويؤكد هذا الإقرار عمق المأزق القائم. فقد شددت باكستان مراراً على أن تحسن العلاقات مرهون باتخاذ إجراءات قابلة للتحقق ضد حركة طالبان باكستان، التي تقول إسلام آباد إنها تنشط من الأراضي الأفغانية.
أما كابل، فقد أصرت من جانبها على أنها لا تسمح باستخدام أراضيها ضد أي دولة، وغالباً ما تصوّر القضية على أنها شأن داخلي باكستاني.
وفي حديثه عن التطورات الأمنية الأخيرة، قال دار إن إسلام آباد تراقب عن كثب ما جرى خلال الأسابيع والأشهر الماضية، مؤكداً أن أي تحسن في العلاقات يعتمد على التزام الجانب الأفغاني بتعهداته.
وقال: «ما الذي حدث الشهر الماضي، وما الذي تغيّر الأسبوع الماضي، وما التحسينات التي تلي تلك الإجراءات… إنهم يعلمون جيداً أنه إذا تم تلبية بعض مطالبنا، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، فإن الأثر سيكون كبيراً للغاية».
وأكد وزير الخارجية أن باكستان لا تسعى إلى تطمينات خطابية، بل إلى خطوات عملية، ولا سيما في مجال التعاون في مكافحة الإرهاب. ووفقاً لمسؤولين، تعتقد إسلام آباد أن حتى إجراءات محدودة ومرئية قد تساعد في تغيير المسار الحالي للعلاقات الثنائية.
كما رحّب دار بالفتوى التي أصدرها علماء الدين الأفغان والتي تحظر القتال خارج الأراضي الأفغانية، واصفاً إياها بإشارة إيجابية، وأعرب عن تقديره لتصريحات حقاني التي أكدت عدم استخدام الأراضي الأفغانية ضد دول أخرى.
وقال: «أعتقد أنه إذا قاموا بتنفيذ الالتزامات الواردة في الفتويين والتصريح الأخير لسراج الدين حقاني بجدية، وإذا لوحظ فرق ملموس خلال الأسبوعين إلى الأربعة أسابيع المقبلة، فأنا واثق من أن حكومتنا، ورئيس الوزراء، والمشير، سيكونون سعداء بإعادة النظر في الأمر».
ويشير تحديد هذه المهلة الزمنية إلى أن إسلام آباد تبحث عن مؤشرات مبكرة على التغيير، بدلاً من وعود مفتوحة بلا سقف زمني.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن الطرفين يعيدان ضبط نهجهما، من خلال تجنب التصعيد العلني، والترحيب باللغة التصالحية، وإتاحة المجال للفاعلين الدينيين للعب دور وساطة.
ويبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت هذه اللهجة الأكثر ليونة ستترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض. ومع ذلك، فإن تبادل التصريحات الأخير يمثل خروجاً عن الخطاب الحاد الذي طبع معظم العام الماضي، ويوفر نافذة ضيقة للانخراط في وقت تواجه فيه كل من إسلام آباد وكابل ضغوطاً داخلية وإقليمية متزايدة.



