تصريح ذبيح الله مجاهد حول “حركة طالبان باكستان”

في مقابلة حديثة مع قناة «DW» الألمانية، أدلى ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم نظام طالبان في أفغانستان، بتصريح يمكن وصفه بأنه من أكثر التصريحات غرابة ومراوغة في الفترة الأخيرة. فعندما سُئل عن حركة طالبان باكستان (TTP)، وهي جماعة مصنفة كمنظمة إرهابية من قبل الأمم المتحدة ومسؤولة عن مقتل عشرات الآلاف في باكستان، قال مجاهد: «نحن لا نسمّي TTP إرهابيين لأن كلمة إرهاب لا وجود لها في قاموس اللغة البشتوية، وليست جزءاً من مصطلحاتنا. كما أن TTP قضية داخلية تخص باكستان ولا نتدخل في شؤون أي دولة».

هذا التصريح ليس فقط مثيراً للسخرية، بل يُعد إهانة للحقائق والأخلاق والواقع الأليم الذي عاشته باكستان طوال العقدين الماضيين. ومن الضروري تفكيك هذا التصريح على حقيقته: محاولة يائسة لصرف الانتباه، وتبرير إيواء جماعة إرهابية، والتهرب من المسؤولية.

ادعاء مجاهد بعدم وجود كلمة «إرهابي» في البشتوية أمر سخيف على مستويات عدة. فالإرهاب لا تُعرّفه الكلمات بل الأفعال. وحركة TTP فجرت المساجد، وهاجمت المدارس، ونصبت الكمائن في الجنازات، وذبحت النساء والأطفال، واغتالت الجنود ورجال الأمن. وإذا لم تكن هذه أعمالاً إرهابية، فما هو الإرهاب إذن؟

الأدهى من ذلك أن طالبان نفسها تستخدم مصطلحات مثل «مرتد»، «جاسوس»، «غبي»، و«غدار» لوصف خصومها. فهل بحث مجاهد في قاموس البشتوية عن هذه الكلمات قبل أن يستخدمها؟ من الواضح أن الأمر لا يتعلق باللغة بل بازدواجية المعايير وحسابات سياسية ضيقة.

أما الجزء الثاني من تصريحه، بأن TTP «قضية داخلية باكستانية»، فهو ينهار تماماً أمام الحقائق الدامغة. فقيادة TTP، بمن فيهم كبار القادة وأعضاء الشورى، يعيشون بأمان داخل الأراضي الأفغانية. وقد قُتل العديد منهم داخل أفغانستان. كما تم الكشف مراراً عن أن معسكرات التدريب ومناطق التخطيط اللوجستي والعمليات تديرها الحركة من داخل أفغانستان.

والأهم أن هذه الحقائق ليست مجرد ادعاءات باكستانية. فعدة تقارير مستقلة، بما فيها تقارير فريق المراقبة التابع لمجلس الأمن الدولي، أكدت أن TTP تعمل من داخل أفغانستان بشكل مقلق. وعلى الرغم من الأدلة والاجتماعات الدبلوماسية المتكررة، يواصل نظام طالبان تجاهل الأمر أو—وهو الأخطر—تقديم تسهيلات غير معلنة.

ومنذ عودة طالبان للحكم في أغسطس 2021، شهدت TTP انتعاشاً واسعاً. فعاد آلاف المسلحين، وتم تجنيد عناصر جديدة، ولأول مرة منذ سنوات أعادت الحركة تنظيم نفسها تحت قيادة مركزية واحدة مع تنسيق أكبر. هذا الانتعاش لم يكن تلقائياً، بل نتاج الفراغ الأمني في أفغانستان وفشل طالبان—سواء كان متعمداً أم لا—في منع استخدام أراضيها من قبل الحركة.

وإذا كانت TTP «قضية داخلية باكستانية»، فلماذا تقيم قيادتها في أفغانستان؟ ولماذا معسكراتهم موجودة عبر خط دوراند وليس في وزيرستان أو سوات؟ ولماذا لم تُفكك الحكومة الأفغانية هذه الشبكات رغم المناشدات الباكستانية المتواصلة؟

الأكثر كشفاً للموقف هو ازدواجية طالبان. فالحركة لا تتردد في وصف تنظيم داعش–خراسان بأنه «خوارج» و«فساد» و«بُغاة»، لكنها لا تستخدم أي مصطلح مشابه لوصف TTP. والجواب معروف: الروابط القبلية، والتقارب الأيديولوجي، والاعتبارات السياسية. فـTTP التي تضم في معظمها مقاتلين بشتون، تتقاطع مع طالبان الأفغانية في الجغرافيا والتاريخ والخلفية الفكرية.

هذا ليس «لبساً لغوياً» بل تواطؤ فعّال.

وقد دفعت باكستان ثمناً باهظاً لإرهاب TTP، حيث استشهد أكثر من 95,000 من المدنيين والعسكريين ورجال الشرطة والمخابرات في هجمات مرتبطة بهذه الحركة. وتعرضت الأسواق للتفجيرات، والأطفال للمجازر في المدارس، والقرى للتدمير. واختزال هذه المأساة في نقاش لغوي يُعد خداعاً فكرياً وانحطاطاً أخلاقياً.

ويعترف العالم كله—بما فيه الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وجميع الهيئات المعنية بمكافحة الإرهاب—بأن TTP منظمة إرهابية. وأفعالها تندرج تحت كل تعريف دولي وإسلامي للإرهاب والتمرد المسلح واستهداف المدنيين ونشر «الفساد في الأرض».

لقد حان الوقت ليتوقف مجاهد وزملاؤه في طالبان عن إهانة ذكاء أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية. لم يعد هناك مجال للخطاب الفارغ. فباكستان لن تقبل محاولات التلاعب اللفظي لإخفاء التواطؤ الأفغاني. وإذا كانت طالبان ترغب فعلاً في السلام الإقليمي، فعليها وقف إيواء TTP، وتفكيك بنيتها، وتسليم قادتها المسؤولين عن سفك الدماء على الأراضي الباكستانية.

وإلا فإن أي حديث عن «عدم التدخل» لا قيمة له—بل يشكل خطراً بحد ذاته.