أكد قاضي المحكمة العليا، عثر من الله، في رأيه المخالف، أن الأفراد المنتمين لأجهزة إنفاذ القانون والمتورطين في عمليات القتل خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري، والتعذيب أثناء الاحتجاز، يستحقون أشد العقوبات المنصوص عليها في القانون.
وقال القاضي:
“إنّ القتل خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري، والتعذيب أو القتل أثناء الاحتجاز، والاستخدام المفرط للقوة، هي من أشد الجرائم عدمًا للتسامح في المجتمع الديمقراطي، وهي أسوأ أشكال انتهاك الدستور والحقوق الأساسية المكفولة فيه.”
وأضاف:
“لا يمكن التسامح مع مثل هذه الأفعال من قبل أجهزة إنفاذ القانون أو أفرادها، وتستوجب هذه الحالات فرض أقصى العقوبات عند ثبوت الذنب.”
وجاءت هذه الملاحظات في مذكرة القاضي عثر من الله، الذي أيّد حكم الإعدام الصادر بحق أحد جنود قوات حرس الحدود في بلوشستان (Frontier Corps)، في حين قامت الأغلبية من القضاة بتخفيف الحكم إلى السجن المؤبد.
وفقًا لسجلات القضية، فقد تم قتل الطالب الجامعي الشاب محمد حيات بطريقة وحشية ومروعة أثناء احتجازه على يد أفراد مسلحين من قوة شبه عسكرية، في حادثة وصفت بأنها جريمة قتل خارج نطاق القضاء بحق مواطن بريء في منطقة تربت بإقليم بلوشستان.
وأشار القاضي من الله إلى أنه في مجتمع تنتشر فيه الشكاوى من حالات الاختفاء القسري، والاستخدام المفرط للقوة، وإساءة استخدام السلطة، والقتل خارج نطاق القانون من قبل أجهزة إنفاذ القانون، فإن منح الحصانة للمتورطين في مثل هذه الجرائم يُعدّ أشد أشكال انتهاك القانون.
وأضاف:
“تزداد جسامة الجريمة عندما يكون الضحية مواطنًا يُعتدى عليه من قِبل جهة مكلفة بحماية القانون. إنّ مثل هذا السلوك لا يمكن التسامح معه في مجتمع يحكمه الدستور. فسيادة القانون تتآكل حين يأخذ المنفذون للقانون القانون بأيديهم ويمنحون أنفسهم دور القاضي والجلاد، وهذا بالضبط ما حدث في هذه القضية.”
وردّ القاضي على الاعتراض المتعلق بمحاكمة عضو قوات الحدود أمام محكمة مدنية، مؤكدًا أنّ إحالة مثل هذه القضايا إلى المحاكم العسكرية عندما يكون المتضرر مدنيًا لا تصبّ في مصلحة الأمن القومي ولا في المصلحة العامة.
وقال:
“يُظهر النظام الدستوري بوضوح أن الغرض منه هو حماية القوات المسلحة من التورط في نزاعات مع المدنيين. فالدستور، بموجب المادة 245، يحدد دور القوات المسلحة في الدفاع عن باكستان ضد العدوان الخارجي، والمساعدة في حفظ النظام المدني فقط عند الحاجة ووفقًا للقانون.”
وشدد على أن ثقة الجمهور في القوات شبه العسكرية، وخاصة تلك التي يقودها ضباط من الجيش الباكستاني، ضرورية لأداء واجباتها الدستورية.
وأشار القاضي إلى أن الضحية كان طالبًا جامعيًا شابًا قُتل خارج نطاق القضاء على يد عضو في قوة شبه عسكرية يقودها ضباط في الجيش الباكستاني.
وأوضح أيضًا أن المدعى عليه وقوات حرس الحدود في بلوشستان يخضعان لقانون خاص هو مرسوم قوات الحدود لعام 1959، وأن محكمة الجلسات كانت تمتلك الاختصاص الكامل للنظر في القضية.
وقال:
“في ضوء وقائع هذه القضية، كانت المحاكمة أمام محكمة عسكرية ستُعدّ مخالفة للمصلحة العامة وغير قانونية وغير دستورية.”
وفيما يتعلق بالحكم، كتب القاضي من الله أن العقوبة الرادعة ضرورية ليس فقط لتعكس جسامة الجريمة، بل أيضًا لتكون عبرة للآخرين كإجراء وقائي لحماية المجتمع.
وأضاف:
“في الجرائم البشعة التي تُرتكب بتخطيط مسبق ووحشية، لا ينبغي إظهار أي تساهل. فحكم الإعدام يخلق ردعًا في المجتمع حتى لا يجرؤ أحد على ارتكاب جريمة القتل.”
وتابع:
“عندما يُثبت الذنب بما لا يدع مجالًا للشك، فإن التساهل في العقوبة يُعرّض السلام للخطر ويفتح الباب أمام الفوضى. على المحاكم ألا تتردد في فرض أقصى العقوبات عندما تستدعي الضرورة ذلك.”
وأوضح أن سلطة القاضي في تحديد العقوبة يجب أن تُمارس بحكمة وعدالة، وأن استبدال حكم الإعدام بالسجن المؤبد يتطلب أسبابًا قوية تُسجل في الحكم.
وأكد أن العقوبة يجب أن تتناسب مع جسامة الجريمة.
كما تطرق القاضي إلى الدور القانوني لقوات حرس الحدود، مشيرًا إلى أن المرسوم الصادر عام 1959 يُبيّن أن الهدف الأساسي من إنشاء هذه القوة هو حماية وإدارة الحدود الخارجية لباكستان.
وقال:
“إن الغرض من وجودها هو حماية المواطنين من العدوان الخارجي والأعداء والكيانات المعادية والمتعاونين معهم. وتخضع قيادة هذه القوة وإدارتها الكاملة للحكومة الفيدرالية، التي تعيّن الضباط الكبار، بمن فيهم المفتش العام، من ضباط الجيش الباكستاني.”
وأضاف أن قوات حرس الحدود قوة نظامية منضبطة ومسلحة، وواجبها حماية المواطنين، وأن أفرادها مزودون بالسلاح للدفاع عن الشعب والدولة فقط.
وأكد القاضي أن على أفراد هذه القوة أن يتحلّوا بـالانضباط والنزاهة والسلوك المهني النموذجي في تعاملهم مع المدنيين، لأنهم يحملون موقعًا من الثقة والمسؤولية، والإخلال بهذه الثقة له عواقب وخيمة على المجتمع وعلى المؤسسة نفسها.
وختم بالقول:
“إنّ المدعى عليه، بصفته عضوًا مدربًا في قوات حرس الحدود، كان من المفترض أن يحمي الضحية، لا أن يقتله. إنّ السلاح الذي زُوّد به كان مخصصًا للدفاع، وليس للاستخدام غير القانوني ضد المواطنين.”



