أثارت الصورة التي ظهرت من المكتب البيضاوي في البيت الأبيض للرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفقة رئيس وزراء باكستان شهباز شريف والمارشال الميداني عاصم منير وهما يحملان عينات من المعادن الباكستانية، حالة من الاضطراب في وسائل الإعلام الهندية، مما يعكس إدراك نيودلهي لحجم الفوائد الاقتصادية الكبيرة التي قد تجنيها باكستان من تطوير قطاع المعادن.
لقد قررت باكستان، ولو متأخرة، أن تدخل مجال التعدين بخطوات جادة، إذ إن العالم بعد جائحة كورونا يشهد تغيرات اقتصادية عميقة، وأصبح يعتمد بشكل متزايد على المعادن النادرة والنفيسة مثل النحاس والذهب والليثيوم لتشغيل النظم الاقتصادية والتكنولوجية الحديثة. ويُعد هذا المجال اليوم تحت هيمنة الصين التي تسيطر على سوق المعادن العالمي.
وفي هذا السياق، تسعى الحكومة والقيادة العسكرية في باكستان إلى تطوير صناعة التعدين وجعلها أحد ركائز النمو الاقتصادي الوطني. وكان تقديم رئيس الوزراء شهباز شريف والمارشال عاصم منير هديةً للرئيس الأمريكي — مكونة من عينات من المعادن الباكستانية — دليلاً واضحاً على جدية إسلام آباد في المضي قدماً بهذا القطاع الاستراتيجي.
كما أفادت التقارير بأن شحنة من التربة الغنية بالمعادن النادرة، تُقدّر قيمتها بـ 500 مليون دولار، قد أُرسلت إلى الولايات المتحدة لإجراء اختبارات مخبرية لتحديد نوعية وكميات المعادن الموجودة فيها وطرق تنقيتها.
لقد اعتمدت كبريات الاقتصادات العالمية — مثل الولايات المتحدة، الصين، روسيا، السعودية، كندا، وأستراليا — على قطاع التعدين أساساً لتطورها الصناعي. أما في باكستان، فرغم امتلاكها ثروات معدنية هائلة، إلا أن قلة اهتمام صانعي القرار بهذا القطاع جعلته مهمشاً لعقود طويلة.
غير أن الصورة بدأت تتغير اليوم، إذ تشهد البلاد حراكاً حكومياً وخاصاً لإحياء قطاع التعدين، خاصة بعد نجاح مشروع استخراج الفحم من منطقة تهر الذي فتح الباب أمام استثمارات جديدة. ومع ذلك، لا يزال إسهام التعدين في الاقتصاد الباكستاني لا يتجاوز 2 إلى 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير التقديرات إلى أن باكستان تمتلك احتياطيات معدنية بقيمة تفوق 6 تريليونات دولار، تشمل الذهب، النحاس، الفحم، الليثيوم، والمعادن النادرة. وتتركز هذه الثروات في مناطق بلوشستان، خيبر بختونخوا، وجبال غلغت بلتستان.
ويُعد مشروع ريكو ديك في بلوشستان من أكبر مشاريع النحاس والذهب غير المطورة في العالم، إذ يحتوي على نحو 7.3 مليون طن من النحاس و13 مليون أوقية من الذهب. كما تحتوي منجم دُدّر (Duddar) في الإقليم نفسه على نحو 50 مليون طن من خام الرصاص والزنك.
ويرى الخبراء، مثل شمس الدين شيخ الرئيس التنفيذي لشركة الموارد الطبيعية (NRL)، وفيصل ماكدا المسؤول في شركة التأمين فيـديليتي، أن نجاح قطاع التعدين يتطلب تعزيز الاستثمارات المحلية وتطوير نظام مالي قوي قادر على إدارة المخاطر. فالتعدين يُعد من أكثر القطاعات خطورة وطولاً في دورة العائدات، إذ يحتاج المستثمر إلى الانتظار لسنوات طويلة قبل أن يجني الأرباح، لكنه في المقابل يحقق عوائد ضخمة عند نجاحه.
ويؤكد هؤلاء الخبراء أن على باكستان إنشاء نظام تأمين وتمويل متطور لتقليل المخاطر وجذب المستثمرين، خاصة أن البلاد تفتقر حالياً إلى شركات تأمين قادرة على تغطية مشاريع التعدين الضخمة.
منذ قيام باكستان، اعتمد اقتصادها في الأساس على صناعة النسيج، إلا أن تطوير قطاع التعدين يمكن أن يفتح آفاقاً اقتصادية جديدة، ويسهم في تنمية المناطق النائية وتوفير فرص عمل واسعة.
إن تطوير صناعة التعدين لا يمثل مجرد استغلال للثروات المعدنية، بل يُعد خطوة استراتيجية نحو تحقيق الاستقلال الاقتصادي وتعزيز مكانة باكستان في الاقتصاد العالمي.



