حذّرت مسؤولة في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من أنّ مدينة غزة، آخر ملاذ للأسر في شمال قطاع غزة، تتحول إلى مكان “لا يمكن للطفولة أن تبقى فيه على قيد الحياة” بعد عامين من الحرب الإسرائيلية
تيس إنغرام، مديرة الاتصال في مكتب اليونيسف الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي أمضت تسعة أيام مؤخراً في غزة، وصفتها بأنها “مدينة الخوف والفرار والجنازات”
يوم الخميس، دعت المجتمع الدولي إلى بذل كل ما في وسعه لمنع وقوع كارثة في مدينة غزة مع تصعيد إسرائيل لعملياتها العسكرية استعداداً للسيطرة الكاملة عليها
وقالت المسؤولة: “الملاذ الأخير للأسر في شمال قطاع غزة سرعان ما يتحول إلى مكان لا يمكن للطفولة أن تبقى فيه على قيد الحياة”. وأضافت: “الذي لا يُتصور ليس في الأفق، بل هو موجود بالفعل. التصعيد جارٍ”
ويعيش نحو مليون شخص في مدينة غزة، حيث يؤدي انهيار الخدمات الأساسية إلى ترك أصغر وأضعف السكان “يكافحون للبقاء على قيد الحياة” مع انتشار المجاعة وتدفق المساعدات بشكل ضئيل للغاية
من بين 92 مركزاً للعلاج الغذائي الخارجي بدعم من اليونيسف، لا يزال 44 فقط يعمل، ما يعني أن آلاف الأطفال المصابين بسوء التغذية يفتقدون هذه الشرايين الحيوية
وفي الوقت نفسه، فإن المستشفيات “على وشك الانهيار”. إذ لا يزال 11 منها يعمل جزئياً، وخمسة فقط تضم وحدات عناية مركزة لحديثي الولادة
“تعمل 40 حاضنة بين هذه المستشفيات بطاقة تصل إلى 200 في المئة، أي أن نحو 80 طفلاً يكافحون من أجل الحياة داخل أجهزة مكتظة، معتمدين بالكامل على المولدات والإمدادات الطبية التي قد تنفد في أي لحظة”، بحسب إنغرام
وفي غزة، التقت إنغرام عائلات نازحة من جديد، وأطفالاً فقدوا ذويهم، وأمهات إما فقدن أطفالهن بسبب الجوع أو يخشين أن يكون أطفالهن القادمون في الدور
وأضافت: “تحدثت مع أطفال على أسرّة المستشفيات، أجسادهم الصغيرة ممزقة بالشظايا”. وتابعت: “المجاعة في كل مكان أنظر إليه في مدينة غزة. ساعة واحدة فقط في عيادة تغذية تكفي لمحو أي شكوك حول وجود مجاعة”
وأشارت إلى أن غرف الانتظار في هذه العيادات مليئة بآباء باكين، “أطفال يقاتلون ضربة مزدوجة من المرض وسوء التغذية”، أمهات غير قادرات على الرضاعة الطبيعية، و”رضع يفقدون بصرهم وشعرهم وقدرتهم على المشي”
وكما في باقي أنحاء القطاع، تعيش عائلات كاملة على وعاء واحد من العدس أو الأرز يومياً من مطابخ مجتمعية. وغالباً ما يحرم الآباء أنفسهم ليتمكن أطفالهم من تناول شيء
وفي الأسبوع الماضي، زارت إنغرام مركز استقرار لعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية، وصُدمت برؤية امرأة تدعى نسمة وابنتها جنا
كانت اليونيسف قد أخلت جنا قبل أكثر من عام لتلقي العلاج في جنوب غزة وتعافت، ثم عادت مع والدتها إلى شمال القطاع أثناء وقف إطلاق النار للانضمام مجدداً إلى أسرتها
“لكن مع الحصار على المساعدات عاد الجوع، وهذه المرة تدهورت حالة طفلي نسمة معاً”. فقد توفيت ابنتها جوري، البالغة عامين، بسبب سوء التغذية الشهر الماضي، فيما “تكافح جنا للبقاء على قيد الحياة”
وقالت إنغرام إن أطفالاً مثل جنا “يعودون إلى أقسام الطوارئ أو ينتكسون بعد أسابيع قليلة من إنهاء علاجهم من سوء التغذية بسبب النقص المستمر في الغذاء والمياه الآمنة والإمدادات الأساسية الأخرى” في قطاع غزة
وأكدت أنه “من دون توفير وصول فوري وموسع للغذاء وعلاجات التغذية، ستتعمق هذه الكارثة المتكررة وسيموت المزيد من الأطفال جوعاً – وهو مصير يمكن منعه تماماً”
وأوضحت اليونيسف أنها تواصل الاستجابة للأزمة، وخلال الأسبوعين الماضيين وفرت لشركائها على الأرض ما يكفي من الأغذية العلاجية الجاهزة لدعم أكثر من 3,000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد خلال فترة علاج تستمر ستة أسابيع
كما قدّمت غذاءً مكملاً لأكثر من 1,400 رضيع، إضافة إلى بسكويت عالي الطاقة لأكثر من 4,600 امرأة حامل ومرضعة، إلى جانب مساعدات أخرى مثل مياه شرب آمنة وبناء مراكز تعليم مؤقتة
وقالت: “فريقنا يفعل كل ما بوسعه لمساعدة الأطفال، لكن بإمكاننا أن نفعل أكثر بكثير ونصل إلى كل طفل هنا إذا تم تمكين عملياتنا على الأرض على نطاق أوسع وحصلنا على التمويل الكافي”
وتسعى اليونيسف للحصول على 716 مليون دولار هذا العام لتمويل استجابتها في غزة، حيث تتصاعد الاحتياجات ويستمر سوء التغذية في الارتفاع بين الأطفال. ففي فبراير، تم إدخال نحو 2,000 طفل للعلاج، وارتفع العدد إلى 13,000 في يوليو، وبحلول منتصف أغسطس وصل إلى 7,200
وتواصل الوكالة مطالبة إسرائيل بمراجعة قواعد الاشتباك لضمان حماية الأطفال، كما دعت حماس والجماعات المسلحة الأخرى إلى إطلاق جميع الرهائن المتبقين
وشددت على ضرورة سماح إسرائيل بدخول مساعدات كافية، وتمكين العاملين الإنسانيين من الوصول بأمان إلى الأسر حيثما كانت
وكانت مناشدتها الأخيرة للمجتمع الدولي، وخاصة الدول وأصحاب النفوذ، أن يستخدموا ثقلهم لإنهاء الحرب الآن: “لأن ثمن التقاعس سيُقاس بأرواح أطفال يُدفنون تحت الأنقاض، أو يُفنون جوعاً، أو يُسكتون قبل أن تتاح لهم فرصة النطق”



