تتجه جموع حجاج بيت الله الحرام في التاسع من شهر ذي الحجة لعام 1446هـ إلى صعيد عرفات الطاهر لأداء الركن الأعظم من أركان الحج، في مشهد روحاني وصفه النبي محمد ﷺ بأنه “خير يوم طلعت عليه الشمس”. ويبدأ الحجاج الوقوف بعرفة منذ طلوع الشمس وحتى غروبها، رافعين أكفّهم إلى السماء بالتضرع والدعاء، مكثرين من الذكر والتكبير والتهليل.
ويقع مشعر عرفات، وهو المشعر الوحيد خارج حدود الحرم، في منطقة منبسطة تحيط بها جبال على شكل قوس، ويتوسطها جبل الرحمة الذي يبلغ ارتفاعه نحو 300 متر، ويتوسط قمته شاخص بارتفاع 7 أمتار. ويبعد عرفات عن مكة حوالي 22 كيلومتراً، ويقع بين مشعري منى والمزدلفة، بمساحة تبلغ 10.4 كيلومترات مربعة، ولا يُسكن إلا خلال موسم الحج.
ومن السُّنة أن ينزل الحاج بنمرة إن تيسر له، أما في حال تعذر ذلك، فعليه التأكد من التواجد داخل حدود عرفة المحددة بلوحات وعلامات واضحة، فكل عرفة موقف. ويُستحب في هذا اليوم الانشغال بالدعاء والابتهال، والحرص على صلاة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في وقت الظهر بإمام واحد، دون صلاة قبلها أو بينها أو بعدها.
ويُحذّر الحجاج من بعض الأخطاء التي قد تُفقدهم الأجر، أبرزها الوقوف خارج حدود عرفة أو الانصراف منها قبل غروب الشمس، إضافة إلى بدعة صعود جبل الرحمة أو التمسح به، مما يؤدي إلى الازدحام ويشكل خطرًا صحيًا. كما يُنبّه إلى أن السنّة في الدعاء استقبال القبلة وليس جبل عرفات.
مع غروب شمس هذا اليوم العظيم، يتجه الحجاج إلى مشعر مزدلفة حيث يُصلّون المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا بأذان واحد وإقامتين فور وصولهم، ويبيتون ليلتهم هناك ملبين ذاكرين، حامدين الله أن بلغهم هذا المشهد المبارك.
وفي إطار الاهتمام بصحة الحجاج، أكدت وزارة الصحة على ضرورة استخدام المظلات للوقاية من ضربات الشمس، وشرب كميات كافية من السوائل، وارتداء أحذية مناسبة، وحمل سوار تعريفي بالحالة الطبية. وقد رفعت الوزارة جاهزية منشآتها الصحية بعرفات لتقديم الرعاية اللازمة، بمشاركة 50 ألف من الكوادر الطبية والفنية، وتشغيل 3 مستشفيات ميدانية و71 نقطة طوارئ، مع زيادة الطاقة الاستيعابية بنسبة 60% عن العام الماضي.
كما تم تدشين مستشفى ميداني حديث تابع لوزارة الداخلية بسعة 100 سرير، يضم أقسام العناية المركزة، العمليات، العزل، والإجهاد الحراري، مدعومًا بتقنيات طبية متقدمة وكوادر مؤهلة، لتعزيز سرعة الاستجابة الطبية.
وشهد مشعر عرفات والمزدلفة مشاريع تطوير كبيرة منها «مسار المشاعر» الذي يمتد على مساحة 170,000 م² ويشمل أرضيات مطاطية تقلل من حرارة الأرض وتحد من خطر الانزلاق، إلى جانب المساحات الخضراء والمرافق العامة كالمظلات، ومشربات المياه، وأماكن الجلوس، ومراوح الرذاذ، ومحطات شحن الجوالات.
كما جرى تطوير ساحة مسجد نمرة بمساحة 85,000 م²، شملها تظليل بـ320 مظلة و350 عمود رذاذ، إضافة إلى تشجير المنطقة المحيطة. وتمت تهيئة مناطق الراحة بين المشاعر، وزُوّدت بـمرافق خدمية وتجارية، مما يساهم في تسهيل تنقل الحجاج وتحقيق راحتهم وسلامتهم خلال أداء المناسك.
هذا الاهتمام الشامل يعكس جهود المملكة في رعاية ضيوف الرحمن وتوفير أجواء آمنة ومريحة تليق بمكانة الشعيرة العظيمة.



